فتية كهف الأمن القرائي

يعيش أغلب شباب الأمة اليوم تحت قهر سلطان الشهوة الظالم الذي يدعو الأجساد الى عبادة إله الهوى والغريزة، ولاشك أن فتيان هاته الأمة الفطِنة إلى مأزقها مدعوون إلى الهرب إلى كهف القراءة؛ لتحقيق الأمن الثقافي الذي يعادل الأمن العقدي الذي توخَّاه أصحاب الكهف حقيقة.
ولاشك أن قراءة النص القدسي يحيل ذوي النباهة إلى قراءات متعددة للاعتبار والاستثمار المجتمعي، من أجل الإنتاج والعطاء الجزيل الممكن، مع اعتصار الفكر والعقل المتنور بشمس المعرفة التي تزاور عن كهف القراءة ذات اليمين وتقرضه ذات الشمال مدة سُبَاتِهم الحضاري الذي استمر لقرون وقرون، منذ أن أُغلِق باب الاجتهاد، عسى أنْ يستيقظوا بعد أن يولِّي زمن جهلهم بفضل هربهم إلى كهف القراءة ذاك، وبفضل شعاع شمس المعرفة الذي كان يتناوب عليهم يميناً وشمالاً لم تُبْلَ ثياب أفهامهم، ولم يتقادم الا عُمُلات بِنيَات أفهامهم لنصوصهم الدينية التي لاتبلى، أفهامٌ تحتاج إلى اجتهاد وتجديد من أجل التماشي مع عصر حديث وأقضية جديدة، دون تغَيُّر في روحهم وإنْ طالت لحاهم المعرفية فزادتهم هيبة وسط قوم جُهَّال، فتميَّزوا تمَيُّزاً يجعلهم عبرة للاقتداء، ويمكن أن يُبنَى عليهم مسجد الثقافة والفكر حتى يسقى منه رواده عند كل أذان مؤلف أو كاتب فيرتووا بواحات الفكر والثقافة، كما دعت المساجد المؤمنين للارتواء من واحات التوحيد خمس مرات في اليوم من أجل أنْ يستويَ زرْع المؤمنين على ساقه فيعجب الزُّرَّاع ليغيظ بهم الكفار، ولن يستوي الزرع إلا إذا تكامل نموه فكراً وروحاً وجسداً.
لو اطَّلع على حُلَّة هؤلاء النبهاء من الفتية بكهفهم القِرائي أحد، لولَّى منهم فِراراً إلى حال الجَهالة ورُعْباً من صبر وجَلَدِ المثابرة والاجتهاد، وكذا من هيبة ووقار السير القويم نظراً لميْل النفس إلى الركون إلى ظلمة الشهوة والغريزة، ولحسْبهم أيقاظاً في شهواتهم الحسية لقوتهم الجسمانية، لكنهم جعلوها راقدة لسمو مقامهم المعرفي وحضارتهم ورقيهم الأخلاقي الذي جعلهم يَرفُلون في جنة الفكر ولايركنون إلى جنة الجسد إلا بعد تحقيقهم للنجاح المعرفي، فيطأون جنة الأجساد من بابها الذي أجازه مولاهم.
ولا غرو أن شباباً كان هذا حالهم في كهف قراءتهم، فإنهم حتماً سيستيقظون بعد سباتهم الحضاري، ليكتشفوا تقادُم عُمْلَة فهمهم لنصهم الديني الذي لايَبلَى، عملة يستطيعون بها جلْب أطعمة ثقافية من الآخر الحضاري والاستفادة من إنتاجاته؛ حتى ينمو الفكر وترقى الروح ويكبر الجسد في تناغم وتوازن منسجم.
كم يتعطش فتية الأمة الفطناء إلى أن تُبنَى على أراضيهم العقلية مساجد الفكر بجانب مساجد الروح حتى يقدسوا القراءة التي أُمِروا بتقديسها بجانب تقديس الشعيرة التي هي كالأولى مجرد وسيلة لا غاية، من أجل مَراد أسمى هو عمارة الأرض، التي هي عين العبادة، وما الشعيرة إلا بنزين المحبة لتحقيق تلك الغاية.
ولاشك أن تابعيهم من شباب الغد سيجدون المسجد الثقافي قد أُسِّس سلفاً بأرضهم العقلية بجانب كهفهم الثقافي، وسيكون آنذاك عبرة وقدوة للاقتداء، كما أن الحق ما أراد من بناء المسجد على قبور أهل الكهف إلا ليكون علامة ترمز لقصة أهل التوحيد الخالص، من أجل الاقتداء بكهفهم العقدي والاستفادة من امتدادات العقيدة عبر الزمان، كما يمكن القياس عليه لابتداع الكهف القرائي والاستفادة من امتدادته الزمنية والتعطر بأريجها الثقافي، والباب مفتوح للاقتباس من نفحات المقدس دوماً لاينكر ذلك إلا جهول.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com