في اليوم العالمي للمفقودين .. الهولوكست الأسدي المستدام والمسؤولية الدولية المشتركة

لهذا المقال ثلاثة أهداف:
الأول: أن نثبت أن الهولوكست الأسدي كان أطول زمناً من أي هولوكست آخر شهده العالم. ففي بضع سنين انقضى الهولكوست النازي العنصري البشع ضد اليهود والغجر، وفي مثلها توقفت المجزرة الكبرى في رواندا والتي راح ضحيتها 800 ألف إنسان .
والثاني: أن نثبت ضحايا الهولكوست الأسدي هم من كل الشرائح من أبناء كل من سورية ولبنان وفلسطين. وإنه إذا كان المسلمون هم رأس الحربة الذين وقع عليهم الظلم الأفدح إلا أنه لم ينجُ من هذا مسلم ولا مسيحي، سني ولا شيعي ولا درزي، ولا إسلامي كما يصفون ولا علماني يؤمن أن العلمانية في جوهرها هي الاختيار المسؤول للإنسان الحر .
والثالث :أن نثبت أن الهولوكوست الأسدي ما كان له أن يقع، وأن يستمر ويبلغ مداه لولا التواطؤ الدولي متمثِّلاً بموافقة ومباركة الخمسة الكبار، كلٌ على طريقته .
نصف قرن مضى على حكم حافظ الأسد ووريثه بشار سورية ولبنان. نصف قرن والحاكم الإرهابي المستبد يتصرف خارج إطار القانون الإنساني والحقوقي والدولي، دون أن يفكر أحد بردعه بل وبمساءلته .
لا أحد يستطيع أن يفسر صمت المجتمع الدولي عن الجريمة المتمادية المستدامة، ودائماً نقصد بالمجتمع الدولي الخمسة الكبار، ولا صمت هؤلاء عن الجرائم المنفلتة التي ظل يمارسها هذا الإرهابي حتى على أراضي الدول المعنية نفسها، فعلى الأرض الفرنسية اغتيل صلاح البيطار، وعلى الأرض الألمانية اغتيلت السيدة بنان الطنطاوي، وعلى الأرض السورية واللبنانية اغتيل المئات من السياسيين والإعلاميين والعلماء ورجال الأديان. وسرد القائمة مع ذكر الهويات والانتماءات يطول، ولكن في ذكر الهويات والانتماءات عظة وعبرة، لن نضيف شيئاً إذا ذكرنا مفتي لبنان حسن خالد ولا صبحي الصالح ولكن سنضيف الكثير عندما نذكر رينية معوَّض، وبشير الجميل، وكمال جنبلاط، وسنضيف أكثر عندما نذكر الجريمة المرصودة للفتنة التي ابتلعها القائمون على المجتمع الدولي وهم يغنون: يا حلاوة.. يا حلاوة.. يا حلاوتها لو نجحت، وتبَنَّتْها (داعشهم)، وحُمِّل مسؤوليتها المسلمون في لبنان. حتى بطرس الراعي الذي كان واحداً من أهداف الجريمة لم يستنكرها !
والسؤال الملح: لماذا يُفلِت نظام الأسد دائماً من المساءلة الحقيقية الإنسانية والقانونية؟! هل صحيح أن المجتمع الدولي، بدوله صاحبة القرار النافذ فيه، تريد أن توفر في سورية نظاماً قادراً على (الصمود والتصدي) أو قادراً على تحقيق (التوازن الاستراتيجي) لتحرير فلسطين كل فلسطين (وإلقاء العدو الصهيوني في البحر) حسب تعبير حافظ الأسد قبيل حرب السبعة والستين؟!
في تصريح لافت لجاك شيراك، الصديق الحميم لحافظ الأسد وسمسار تسويق بشار الأسد العالمي، بعد حادثة لوكربي وقبل أن يتولى شيراك رئاسة الجمهورية الفرنسية، قال في دول الاتحاد الأوربي التي كانت تعلم يقيناً أن حافظ الأسد وراء تفجير الطائرة في سماء لوكربي، وليس القذافي الغبي الثري، قال شيراك لممثلي دول الاتحاد: لاتنظروا إلى رجل يغتاله حافظ الأسد هنا ولا إلى تفجير يفجره هناك. بل انظروا إلى ما يقدمه لنا من خدمة بقمع الأصولية في الشرق الأوسط.
ولقد آن الأوان لشعوب المنطقة لتدرك أن (الأصولية) هي العنوان المموه لإعلان الحرب على شعوب المنطقة، هويتها وإرادتها وأحرارها.
مقابل هذه الخدمة الاستراتيجية الجليلة التي تُخرِج شعوب المنطقة من معادلة وجودها الاستراتيجي والحضاري تم ويتم التغاضي عن جرائم الأسديين على مدى نصف قرن، سواء وقعت بحق مسلم أو مسيحي سني أو شيعي أو درزي أو حتى علوي، عربي أو كردي أو تركماني أو شركسي.
في الثلاثين من أغسطس اليوم العالمي للمفقودين، اليوم المرقوم على أجندة الجمعية العامة للأمم المتحدة للتعاطف مع من يُسَمَّون (ضحايا الاختفاء القسري) لابد أن نذكر ونذَكِّر أنه ما من نظام مجرم مستبد مارس هذه الجريمة على مدى نصف قرن مضى مثل نظام الأسدين الأب والابن.
وإنه يحق لهذا النظام أن ينافس في موسوعة غينيس على مكانة المجرم الأول الذي يفلت دائماً ودائماً ليس من العقوبة بل من المساءلة الحقيقية الجاد.
في أواسط سبعينيات القرن الماضي، ومع اشتعال ما يسمى الحرب الأهلية اللبنانية، التي أذكى حافظ الأسد نارها، وموَّل كل أطرافها ليتسنى له من خلال تواطؤ دولي كان الكيان الصهيوني الفاعل الأول فيه، سيطر حافظ الأسد على لبنان، وألحقه بسلطانه، وانكشفت الحرب عن أكثر من ستة عشر ألف مفقود، كانوا جميعاً قد تم اختطافهم وسجنهم في السجون الأسدية في سنوات الحرب والسيطرة العجاف .
انتهت الحرب، وعُقِد مؤتمر الطائف، وإذا كان السجين السياسي إنما يُسجَن لأسباب سياسية فقد سقطت كل الدواعي والذرائع لاختطاف هؤلاء وسجنهم وتغييبهم. ولكن هؤلاء سقطوا من حسابات السياسة الدولية والإقليمية والمحلية ولم يعد يذكرهم إلا من بقي من أمهاتهم وزوجاتهم وأبنائهم وبناتهم.
والسؤال المطروح بكل الجدية والمصداقية: لماذا لم يكن للمجتمع الدولي موقفه الحازم غير الكاذب في تبَنِّي قضايا هؤلاء والدفاع عنهم. لماذا ظل وارن كريستوفر وزير الخارجية الأميركي الأسبق متابعاً لأمر اليهود السوريين حتى استصدر لهم من حافظ الأسد قراراً بـ(حق) الهجرة، ولم يتابع شأن حيوات هؤلاء البشر، ولم يراع مصالح أسرهم؟!
حين نتحدث عن المغيبين قسرياً في سجون حافظ أسد من اللبنانيين فنحن نتحدث عن مسيحيين وشيعة ودروز وسنة ونتحدث عن أربعة عقود من المعاناة إنْ كان قد بقي منهم أحد.
وما قلناه عن المفقودين والمختطفين اللبنانيين يمكن أن نقول أضعافه عن المفقودين السوريين الذين اختفوا في سجون حافظ وبشار الأسد منذ عام 1970. عشرون ألف إنسان، كانوا يشكلون بنكاً من الأهداف لإشباع النهمة السادية لشخص مأفون أطلق أشرار العالم يده في سورية ولبنان وشعبيهما. يعترف مصطفى طْلاس في كتابه (أيام هزت دمشق) أنه ظل يوقع على مدى عشر سنوات قائمة إعدام مائة إنسان أسبوعياً!
هذا الاعتراف لم تلتقطه أية منظمة حقوقية جادة، ولا أي جهاز من أجهزة الاستخبارات الدولية، ولا أي مسؤول سياسي جاد. بل لعلهم حين التقطوه استقبلوه بالترحاب والتأييد .
عشرون ألف إنسان سوري هم خيرة الخِيْرة من أبناء المجتمع السوري، لم يُعتَقَلوا على خلفية جنائية، ولا على خلفية حزبية، وإنما اعتُقِلوا لأنهم حلموا بحياة آمنة يسودها العدل والمساواة والحرية!
ثم ما كان بعد في أيام هذه الثورة السورية المباركة ..
ويكفي في هذا السياق ما وثَّقه الطبيب السوري في خمسة وخمسين ألف صورة شاهداً ودليلاً ناطقاً على اشتراك العالم في الجريمة التي لم يغير كشْفُها وفضْحُها من السلوك الدولي ولا من القرارات الدولية التي تندفع اليوم لتمكين المجرم من إيقاع المزيد من الضحايا! ظل ما بعد التصوير والتوثيق كالذي كان قبله. لم تغير الصور الصادمة التي استنزفت بعض الدمع الوقتي من الموقف شيئاً. المباركة للقاتل ولا أسف على المقتول.
إن ربع مليون سوري تحتسبهم اليوم المنظمات الحقوقية في عداد المفقودين الذين انقطعت أخبارهم في زنازين الأسد وبوتين والولي الفقيه لَجديرون منا في مثل هذا اليوم بتحية عهد وعزم وتصميم .
لانجد في اليوم العالمي للمفقودين إلا أن نذكر بهذه الأرواح السجينة في زنازين بشار الأسد وشركاه من المتواطئين الدوليين والإقليميين إلا أن نقول لأولياء هؤلاء على كل المستويات إن مسؤولية الانتصار لهم واستنقاذهم دَين ثابت في أعناقكم تُسألون عنه أمام الله والناس .
وحين تدعو المنظمة الدولية اليوم للاحتفاء بيوم المفقودين العالمي، لانجد إلا أن نُذَكِّر هذه المنظمة والقائمين عليها والمختبئين وراء راياتها: إن مما حفظ الناس من كلام النبوة الأولى – كلام نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد – إنْ لم تستح فاصنع ما شئت .

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com