في ظل الأزمات الراهنة

لعل من أهم سمات العصر الراهن، التغير المتسارع في كل مجالات الحياة. إلا أن التسارع الذي طال مجال إنتاج المعرفة الإنسانية والتطبيقات التكنولوجية المترتبة عنها، لم يعد خافياً عن أحد، بحيث أدى تنامي إنتاج المعارف إلى ما أصبح يُعرَف بـالانفجار المعرفي.
ومما يزيد المسألة خطورة أن المعرفة المنتَجة سريعاً ما تتقادم لتحل مكانها معرفة من نوع أرقى. من ذلك أن بعض الابتكارات التكنولوجية تصبح متخلفة حتى قبل بلوغها طور الاستخدام، وهذا يؤدي إلى تزايد حاجة المجتمعات إلى المخترعين والمنتجين للمعرفة، وإلى خصوبة الخيال لمواكبة إيقاع التطور المعرفي الراهن، ذلك لأن المعلومات والمهارات والقدرات والكفايات أصبحت اليوم أكثر ضرورة لبقاء الأمم. فالسوق العالمي لم يبق سوق المنافع والخدمات فقط، بل سوق الأفكار أيضاً، تلك الأفكار التي سرعان ما يتجاوزها الزمن ويتحتم تجديدها باستمرار.
وفي ظل الأزمات الراهنة العاصفة بالأمة العربية والإسلامية يتحتم على مؤسساتنا القيادية العامة والخاصة، وصُنَّاع القرار الفاعلين رعاية الشباب رعاية تامة وبناء مجتمع معرفي متكامل لهم في ظل ثورة الأفكار التي تعصف بكل أطياف المجتمعات العربية.
إن النمو والتطور والابتكار لايتم إلا بناءً علي فلسفة تضع المحدِّدات والأولويات والقيم. بهذه الخلفية يمكننا القول إن مجتمع المعرفة هو مجتمع الذين يعرفون، والذي يعرف هو ذلكم الراشد الذي يعرف ماذا يريد ويعرف كيف يصل إلى ما يريد أو يحقق ما يريد ويعرف كيف يؤَمِّن بعد ذلك ما حقق مما يريد.
فالذي يعرف ما يريد هو الذي يملك فكرة وفلسفة وأهدافاً مبيَّنة يسعي لتحقيقها بناءً علي هذه الفكرة والفلسفة، وهذا ما يُعرَف بالأهداف والخطط الاستراتيجية. أما الذي يعرف كيف يحقق ما يريد فهو ذاك الذي يملك تقانات ومهارات ودوافع للإنتاج الأكفأ والقرار الأمثل. ثم إن الذي يعرف كيف يؤَمِّن ما يريد فهو ذاك الذي يملك من القيم الإنسانية الفاضلة الكثير والتي تضمن الأمن للفرد والأسرة والمجتمع وتتبوأ تاج جميع القيم.
وكما هو معلوم فإنه من غير جدل هو العدل، ونعني العدل بمفهومه الشامل.. العدل في السلوك الشخصي والعدل في التعامل مع الآخرين والعدل في توزيع الثروة والعدل بالرضا عن الحكم السياسي والعدل في القضاء بين الناس.
أخيراً.. إن ضرورة تكوين أجيال من المبتكرين المنتجين للمعارف يجعل التربية ذات أولوية على التعليم، وإن الأهداف الاستراتيجية ليست أحلاماً وآمالاً بل هي تقديرات علمية تُبنَى على بيانات واقعية وأولويات فكرية وفلسفية، فليس الايمان بالتحلِّي ولا بالتمنِّي كما ورد في الحديث الشريف.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com