في يوم المرأة العالمي أكتب: دور المرأة المقدسية في النضال من هَبَّة البراق إلى هَبَّة باب الأسباط

يحتفل العالم في 8 مارس من كل عام بيوم المرأة العالمي، ونحن أيضاً نحتفل مع العالم بعيد المرأة الفلسطينية. وفي 21 مارس نحتفل بعيد الأم (ونتذكر الأم الفلسطينية). وفي 30 مارس نحتفل بـ(يوم الارض) الفلسطينية، وهو ما يستدعي أنْ يترسخ لدينا هذا الشهر ذهنياً واجتماعياً وأدبياً لتكريم فلسطين والمرأة الفلسطينية التي عرفت كيف تحتفل كل يوم بثباتها وصمودها، وعرفت كيف تأخذ حقها من مغتصِبها دون اللجوء للمواثيق والقوانين الدولية، وعرفت كيف تصنع أعراساً واحتفالات كل يوم وهي تزف الشهداء الواحد يتلوه الآخر دون أن تحتاج لقرار من المنظمات الدولية أو اعتراف من الأمم المتحدة بذلك .فالمراة الفلسطينية تخوض ومنذ مائة عام حرباً يومية من أجل الصمود والدفاع عن أرضها ومقدساتها، فمسيرتها مستمرة منذ أن عرفت وتنبهت للعدو سارق الأرض والكرْم والعنب.
بدأت المرأة الفلسطينية الدخول في الحياة السياسية مبكراً جداُ، ومع تغلغل المشروع الصهيوني والبدء في مصادرة الأراضي والقرى، وعرفت أخطار الأطماع الصهيونية وتنبهت لها فخرجت عام 1893 في مظاهرة نسائية ضد مصادرة أراضي الفلاحين في قرية العفُّولة الفلسطينية ونقْل ملكيتها للمشروع الصهيوني لبناء مستوطنات لليهود المستقدمين من الدول الأوروبية.
ولعل ثاني تحرك نسائي فلسطيني مؤثر كان في عام 1925 عندما تواجد اللئيم المدعو بلفور بمدينة القدس ليحضر افتتاح الجامعة العبرية، وأراد دخول البلدة القديمة والمسجد الأقصى فمنعه المسلمون والمسيحيون من دخوله وتوجهت مظاهرة حاشدة من النساء المقدسيات من الطائفتين المسلمة والمسيحية إلى بيت المندوب السامي محتجات على تواجد بلفور ورافضات دخوله إلى الأقصى.
وتَواصَل نضال المرأة المقدسية مع حدوث أول مواجهات في مدينة القدس في ثورة البراق عام 1929، ورغم أن دورها كان مساعدة الثوار في ذلك الوقت إلا أنه قد وقعت في هذه المعركة شهيدات من النساء المقدسيات إلى الشهداء من الرجال. ثم أخذ هذا الدور النضالي طابع العمل المنظَّم من مجموعة من النساء وتحول إلى هيئة وكيان سياسي انبثق عنه الاتحاد النسائي العربي في مدينة القدس في 23 اغسطس 1929. ومن أهم النساء اللواتي قُدْنَ العمل السياسي وتاسيس الاتحاد (زليخة الشهابي وخديجة الراغب الحسيني ونعمت جمال الحسيني وطرب عوني عبدالهادي وكاترين شكري ديب وفطوم كمال البديري وغيرهن)، وكان الهدف من إنشاء هذا الاتحاد هو مناهضة الانتداب البريطاني والوقوف في وجه الاستيطان الصهيوني، بجانب إيجاد أنشطة أخرى إنسانية واجتماعية للاتحاد.
وخلال انتفاضة عام 1933 شاركت المرأة في شهر أبريل من ذلك العام في مظاهرة كبيرة احتجاجية على تواجد مسؤولين بريطانيين في البلاد من اللورد اللئيم المدعو ألن بي واللورد المدعو سنتون وتوجههما إلى مدينة القدس. ورغم هطول الأمطار في ذلك اليوم فقد استمرت المظاهرة النسائية ماضية في الهتاف والتنديد وإعلان الرفض للتدخل الأجنبي.
كما كان للمرأة دور مهم في ثورة 1936 عن طريق نقل الأخبار والرسائل، والتحريض والحث على المقاومة، وإخفاء الثوار والتورية عنهم، وإسعاف المصابين ومداوة جروحهم، وشهدت هذه الثورة سقوط الشهيدة فاطمة غزال.
وفي الفترة من عام 1939 إلى عام 1947 كان للمرأة الفلسطينية دور مهم في الحياة السياسية والعسكرية، وذلك من خلال مشاركتها في الأحداث التي وقعت بين العرب واليهود وخاصة بعد صدور قرار تقسيم فلسطين. وكانت المرأة الفلسطينية حلقة الوصل بين الثوار. وفي خلال هذه الفترة ظهرت بعض الجمعيات والاتحادات النسوية.
وعندما حلت النكبة عام 1948 ورأت المرأة الفلسطينية بعينيها آثار التهجيرواحتلال المدن الفلسطينية وغرب القدس وانشطارها عن كامل المدينة واقتلاع الآلاف من الفلسطينيين من بيوتهم، أدركت هول النكبة وعمق المأساة، الأمر الذي عزز لديها الشعور بالانتماء للوطن، مما دفع لتطور مستوى مشاركتها في العمل السياسي والكفاحي. وكانت نكسة عام 1967 وضياع الضفة الغربية والقدس ووقوعهما تحت نير الاحتلال الصهيوني فقد تسبب ذلك في حدوث تغيير كبير في نضال المرأة المقدسية حيث خرجت من دائرة المؤسسات، وبدأت المرأة الفلسطينية عموماً تنضم إلى العمل المسلح والحركات الفدائية في فلسطين عام 1967.
ولعبت المرأة الفلسطينية والمقدسية بالخصوص دورها المنتظر في الانتفاضة الأولى.. انتفاضة الحجارة، وكان دورًا بارزًا حيث كان النضال السياسي في الماضي يقتصر على النساء الناشطات فقط، لكن في هذه الانتفاضة تغير الحال، فشاركت جميع النساء من كافة الأعمار في مختلف أشكال القتال، وساعدت الفلسطينية على تحرير العديد من شباب وأبطال الانتفاضة وإنقاذ أعداد كبيرة من الثوار، وتهريبهم وتوفير أماكن لهم للمبيت.
واستمر نضالها في الانتفاضة الثانية (الأقصى) عام 2000 وظهر خط جديد لنضال المرأة المقدسية والمرابطات والمدافعات عن الأقصى، ولو انه من الظلم أن يرتبط نضالهن فقط بموضوع الرِّبَاط، إذ تجاوز رباط بعضهن عشرات السنين في مصاطب العلم والتعليم وتدريس فن الصمود والمقاومة والصلاة والاعتكاف، والدفاع عن هذه المساحة الدينية والتاريخية.
أما الانتفاضة الثالثة عام 2015 (انتفاضة السكاكين) والتي جاءت بعد تزايد الممارسات التعسفية لسلطات الاحتلال (الإسرائيلي) وانتهاكاتها المستمرة، الساعية إلى تصعيد عملياتها الإجرامية ضد الشعب الفلسطيني ومقدساته، كانت المواجهة الحقيقية بين العدو والنساء وجهاً لوجه دون خوف أو وجل وتولَّدت لديهن الرغبة في الاستشهاد بجرأة متناهية، ولعل وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي كانت كفيلة بأن تنقل صور الفتيات الملثمات في مواجهة قوات الاحتلال والتصدى لهم.
ووصولاً إلى هبَّة الأسباط التي تحولت إلى أيقونة ثورية تمثل رمز القدس والمسجد الأقصى وشهدت القدس ومدن الضفة انتفاضة حقيقية من أجل الدفاع عن القدس ورفض وسائل التقسيمم والرقابة الإلكترونية، ونجح الثوار في فرض شروطهم على المحتل، وأفشلوا مخطط تقسيم المسجد الأقصى زمانياً ومكانياً وتهويده. وهذه المواجهة التاريخية التي انتصر فيها المقدسي والمقدسية فوق أرضهم تعيد ثقتهم بأنفسهم وبقضيتهم وبقدرتهم على الصمود ومواجهة العدو رغم مواظبة (جيش) الاحتلال في القدس على مهاجمة الفتيات والأطفال والاعتداء عليهن، وضرب المرابطات وإبعادهن لمدد زمنية تصل إلى ستة أشهر عن باحات المسجد الأقصى وعن مساكنهم ومَواطنهن.
تقول إحدى المرابطات المقدسيات «إن الرباط لايجب أن يقتصر على عمر أو جنس معين، مطلوب من الكل أن يرابط في القدس والأقصى. المرأة والرجل خط دفاع أول عن المسجد الأقصى والقدس بكافة مقدساتها. التجربة الأخيرة أثبتت أهمية تواجد المرأة المقدسية التي نامت على أبواب الأقصى وصحِبت أولادها وزوجها هناك. ولم يُثْنِ الضرب والاعتقال والإبعاد القسري للمرابطات والناشطات المقدسيات عن الذهاب إلى المسجد الأقصى والرباط فيه هن وعائلاتهن وتجهيز الطعام ومد السفرة المقدسية أمام أعين (جيش) الاحتلال للشباب الصامدين المرابطين على ثغور وأبواب المدينة.
كل هذه المعطيات تُظهِر أن الاحتلال يسعى عبر استهداف نساء القدس إلى ضرب تماسك العائلة المقدسية، وتقويض قدرتها على الصمود والمواجهة، مما يمَكِّن من مواصلة إجراءات التهويد و(الأسرلة) وطمس هوية المدينة، إلا أن هذه الاعتداءات والجرائم لن تثني المرأة المقدسية عن مواصلة تحدِّيها لكافة ممارسات الاحتلال البغيض، ورغم هذا التصعيد الخطير الذي تمارسه سلطات الاحتلال وغلاة المستوطنين.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com