كيف سيتعامل الاتفاق النووي مع محاولة إيران الغش أو الخداع..؟

في الحسابات النفعية البحتة، لن تكون هناك مصلحة إيرانية على المدى القصير جداً للغش والخداع، بل على العكس ستكون هناك محاولات مُبالَغ فيها للترويج لمدى التزام إيران بما ورد في نص الاتفاق؛ وذلك لإظهارها بمظهر المتعاون الملتزم واللاعب المسؤول. ومن شأن هذه الصورة المبدئية بالتحديد أنْ تمهد لمسار الغش والخداع، وهو أمر تقليدي وفق ما كشف عنه السلوك الإيراني خلال عقود من الزمان أولاً، ولغياب عامل الثقة بين جميع الأطراف ثانياً، وهو الأمر الذي شرحناه بالتفصيل سابقاً.
البعض قد يقفز مباشرة إلى القول إن الكاتب يفترض بشكل مسبق، أو أن افتراضه مبني على تصور مسبق أيضاً، لكن الجواب على مثل هذا الكلام يكمن في نص الاتفاق النووي نفسه، فالاتفاق يفترض أيضاً وبشكل مسبق إمكانية حصول غش أو خداع أو عدم التزام، ولهذا السبب بالتحديد فهو وضع آليات وإجراءات للتعامل مع مثل هذه الحالة فيما لو واجهها اللاعبون مستقبلاً.
معظم التقارير التي تنشر مؤخراً عن الاتفاق النووي تحمل طابعاً ترويجياً ودعائياً، وبعضها الآخر المضاد بطبيعة الحال يتجاهل المناقشة العلمية، هذا الوضع يجعل القارىء أيضاً في موقف صعب، وخاصة أن الاتفاق كبير ومعقَّد للقارىء العادي، والتلاعب بكلمة واحدة أو مفهوم واحد قد يغيِّر المعنى تماماً وهو الأمر الذي حصل ومايزال يحصل.
يجادل تقرير لـ(VOX) نشر مؤخراً عن موضوع الغش والخداع أو عدم التزام إيران بالاتفاق النووي، بأن السؤال الأساسي يجب ان يكون «ماذا سيحدث اذا خرقت إيران الاتفاق»؟ مشيراً إلى أن الاتفاق يتحوَّط لهذا الأمر من خلال آلية إعادة فرْض العقوبات ومن خلال المراقبة الصارمة التي تتيح فيما بعد القيام بعمل عسكري حال أصرَّ الجانب الإيراني على خرْق الاتفاق ومواصلة إنتاج القنبلة النووية. وينتهي التقرير إلى القول إن قبول الاتفاق في جميع الأحوال أفضل من عدم قبوله!
واستناداً لِما جاء في الاتفاق النووي، فإنه إذا تم مثلاً اكتشاف عدم امتثال إيران للتطبيق الكامل للاتفاق أو التلاعب به أو الغش، فإن دولة من الدول الـ8 الأعضاء التي تشكل اللجنة المنوط بها مراقبة تنفيذ الاتفاق تستطيع أن تتقدم بشكوى إلى اللجنة تفيد بأن إيران خرقت الاتفاق «بشكل خطير» أو لم تلتزم به «إلى حد كبير».
تقوم اللجنة بدراسة الموضوع ومحاولة حلِّه خلال 15 يوماً، واذا لم تستطع يمكن إحالته إلى وزراء خارجية هذه الدول حيث يكون لديهم أيضاً 15 يوماً لحل الموضوع ما لم يتقرر التمديد بالإجماع لفترات أخرى، وذلك بموازاة إمكانية طلب رأي غير ملزم من لجنة استشارية (لديها مدة 5 أيام).
عند انقضاء الـ30 يوماً الأساسية في حدِّها الأدنى دون حلٍ مُرْضٍ للجانب الذي تقدم بالشكوى، من الممكن إعادة الموضوع إلى مجلس الأمن، وعندها يتم التصويت على مواصلة رفْع العقوبات، فإنْ اعترضت دولة واحدة على ذلك، يمكن حينها إعادة فرض العقوبات على إيران، واذا لم يتم تبَنِّي قرار خلال 30 يوماً، فإن حسب السياق السابق للعقوبات المفروضة سيتم إعادة فرضها إلا اذا قرر مجلس الأمن شيئا آخر!
والآن وبعد قراءة ما ذكرته آنفاً، من الواضح جداً أنه ليس هناك ربط مباشر لأية عملية خرْق للاتفاق بإطلاق عقوبات. فهذه الآلية المذكورة آنفاً ليست آلية رادعة لمن يفكر بخرْق الاتفاق بقدر ما هي آلية لتفكيك المبدأ الردعي للعقوبات، ولتشجيع الخرق والغش والخداع والتفاوض عليه، بدليل أن أي خرق لن يطلق بشكل مباشر عقوبات وإنما سيستلزم الأمر نقاشات ومفاوضات وجلسات حوار طويلة قبل أن يتم البدء بالتفكير بفرض عقوبات.
ومن الواضح أن الجانب الغربي يحرص من خلال هذه الفقرة على استيعاب أي خرق كي لاينهار الاتفاق، وهو بالتالي يبدي اهتماماً بالحفاظ على الاتفاق ولو حصلت تجاوزات له أكثر من اهتمامه بالمعاقبة على خرقه أو منع الخرق، وهذا الأمر في النهاية مصلحة إيرانية أيضاً. هذه المعطيات ستنتج وضعاً شبيهاً في النهاية باتفاقية (ستارت) المبرمة بين أميركا وروسيا، حيث تخرقها روسيا باستمرار دون أن تكون هناك عقوبات رادعة، وكذلك الأمر بالنسبة لاتفاقية نزع سلاح الأسد الكيماوي على سبيل المثال.
وخلال الانخراط في هذه الآلية سينشأ بالتأكيد أيضا نزاع حول بعض (المفاهيم المائعة) أو (المطّاطة) التي تمّ تلغيم الاتفاق بها مثل مفهوم (خرق خطير) أو عدم الالتزام (إلى حد كبير)، وهي مفاهيم لايوجد تعريف واضح ومحدد من خلالها لماهية ما يؤسس لخرق خطير أو عدم التزام إلى حد كبير، وإنما هي أمور استنسابية.
وحتى لو افترضنا أنه وبعد كل هذه المحاولات تم إعادة فرض العقوبات على إيران، فهي ستكون عملياً غير مؤثرة بشكل فاعل كما شرحنا مراراً وتكراراً مع تدفق مليارات الدولارات بالإضافة إلى انفتاح الاقتصاد على التجارة الدولية وتدفق الاستثمارات…إلخ.
أما القول بأن الاتفاق النووي سيتيح للجانب الأميركي استخدام القوة العسكرية حال علمه باستمرار إيران بخرقها للاتفاق، فهذا ادِّعاء غير مؤكد. وتشير التجربة التاريخية لاسيما لإدارة الرئيس أوباما بأنه ادعاء فارغ.
فإيران تتجاوز القوانين منذ عقود، والتزاماتها الدولية بشكل مستمر ودائم (إنشاء برنامج نووي سري، تشييد منشأة آراك لإنتاج البلوتونيوم الذي لايستخدم في البرامج السلمية عادة، إنشاء منشأة سرية تحت الأرض بعمق 200 متر محصَّنة من الضربات الجوية…إلخ)، وهي ضربت بعرض الحائط قرارات دولية صادرة عن مجلس الأمن (يعني باتفاق الدول العظمى وهو مشهد لايختلف عن المشهد الحالي)، والعالم عرف ويعرف كل ذلك ولم يفعل شيئاً.
وعليه فليس هناك من شيء جديد يقنعنا بأن واشنطن ستقوم بعمل عسكري بالتأكيد هذه المرة إن خرقت إيران الاتفاق، ولاسيما إذا تم ذلك في ظل إدارة أوباما الذي عوَّدنا على خطوط حمراء وهمية يتم رسمها على الماء، نعرف كيف تبدأ وكيف تنتهي وسرعان ما تختفي، وخاصة أن إيران ستكون في وضع أفضل مما هي عليه اليوم سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com