لمحات من مؤتمر الإصلاح السابع

ليس الحضور الحاشد من قبل أعضاء جمعية الإصلاح ومنتسبيها في مؤتمر الإصلاح السابع الذى انعقد يومي الجمعة والسبت 22 و23 يناير الجاري هو أكثر ما ميَّزه وأعطاه نكهة فريدة. ولكن أيضاً ذلك التنظيم الراقي من قبل القائمين عليه من شباب الجمعية الذين ضاهوا فيه أكبر شركات تنظيم المؤتمرات، مما يوجب عليَّ تسجيل هذه اللفتة.
وأحاول تسجيل ما حضرته من أوراق مؤملاً التوفيق في تقديم صورة متواضعة عن انطباعاتي عن المؤتمر. ولأهمية الورقة الرئيسية والافتتاحية عن فقه تطبيق الوسطية في واقعنا المعاصر للدكتور عصام البشير المفكر والوزير السابق بالسودان الشقيق سأفردها في مقال أعد القارىء به في الأسبوع المقبل بإذن الله.
وفي ورقته التي قدمها الدكتور الشيخ فريد هادي حول ما إذا كانت الإصلاح حركة جامعة أم حزباً؟ يُشكر على جهده في توصيف دعوة الإصلاح، وتدعيمه ما قاله بكثير من النصوص الشرعية، ولكني لم أجد جواباً لتساؤل الورقة كما كنت أتمنى. ولعلي أعذره في هذا لضيق الوقت ومحاولته تخطِّي الكثير من صفحات ورقة بحثه كي يوصل أهم ما في مضمونها.
أما ورقة (قراءة في وثيقة خطابنا الفكري ومعالم النسخة التالية) والمقدمة من الدكتور رائد الجودر فقد تناولت جوانب بسيطة جداً ومختزَلة من الخطاب الفكري للجمعية. وبعيداً عن التفاصيل فقد خلصت المداخلات إلى ما أراه صحيحاً، وهو ضرورة عمل ورش متخصصة لتناول موضوع الخطاب الفكري بطريقة أعمق؛ حتى يكون ممثلاً لِما تريد جمعية ذات تاريخ طويل مثل الإصلاح أن توصله للناس عن فكرها وخطها الفكري.
وفي ورقتها عن العمل النسائي (جمعية الإصلاح.. الواقع والطموح) استعرضت الدكتورة سنية الصالحي تاريخ العمل النسائي في الجمعية منذ بدء دعوات الالتزام بالحجاب وإنشاء مراكز تحفيظ القرآن للفتيات في سبعينيات القرن الفائت حتى يومنا هذا.
وكان لها أسلوبها الموفق والعرض الرصين المترابط والأسلوب الواضح والمنظم جعل الكثيرين يتفاعلون مع ورقتها، مما حدا بكثير من المتداخلين بعد ذلك للتعبير عن احترامهم لتاريخ العمل النسائي وما بُذِلت فيه من تضحيات بالرغم من كثرة التزامات المرأة الداعية وأعبائها الاجتماعية. وقد ترجم ذلك الاحترام بكل حفاوة الدكتور عبداللطيف الشيخ نائب رئيس الجمعية في مداخلته بضرورة توثيق هذه السيرة العطرة للعاملات ولتاريخ العمل النسائي الدعوي في الجمعية.
أما ورقة (تيار الإصلاح في مضمار العمل الوطني) للدكتور هشام العَمَّال فإنه بالرغم من محاولته إضفاء جو من المرح على العرض كي لايمل الجمهور، إلا أن أهم ما ذكره في الورقة عن التاريخ السياسي للإصلاح كان تذكيراً بتاريخ فيه شيء من الألم الممزوج بالفخر! وخصوصاً ما ذكره عن فترة ما بعد ظهور هيئة الاتحاد الوطني في العام 1954 وما رافقها وتلاها من تشويه وتخوين لتيار الإصلاح. وكذلك ما عاناه ذلك الجيل الرائد حتى السبعينيات من تحمُّل لتبعات أبى فيها بكل شرف ووطنية البوح عن أسباب عزوفه عن الانخراط في أعمال الهيئة، وكذلك ترَفُّع تيار الإصلاح عن الرد على محاولات التشويه المضنية في تلك الحقبة، وإيثاره مبدأ السِّلْم الوطني والتعاون فيما أمكن التعاون فيه. ومع ذلك وُفِّق الدكتور هشام في استعراض الأحداث التي تلت ذلك التاريخ، وخصوصاً موقف الإصلاح الرصين والوَسَطِي فيما يعرف بأحداث التسعينيات والمواقف الوطنية للراحل المحترم الشيخ عيسى بن محمد يرحمه الله، ونظرته الدائمة بأن البحرين طائر لايطير إلا بجناحين سني وشيعي.
وفي ورقة الإعلامي الأستاذ غسان الشهابي عن (الإصلاح والإصلاح السياسي.. تماشي الضرورة مع الواقع)، فقد كانت في نظري ورقة مثيرة للجدل إلى حد بعيد. حيث اعتمد الشهابي في تحليله لتاريخ الجمعية وأسباب تقييم الناس لها إما بعزلها وإما بربطها بجماعة الإخوان المسلمين، على ما تناقلته الصحف من أخبار دون تمَعُّن أو بحث كنت أتوقعه من باحث في قامته. مثال ذلك ما حمله الشهابي على لقاءات قيادات الإصلاح بعد أحداث البحرين في العام 2011 بالشيخ القرضاوي أو بالإخوان في مصر أو برئيسها في ذلك الحين الدكتور محمد مرسي؛ كدليل على إثبات التبعية بأي نوع من أنواعها (غير التنظيمية) للجماعة ، وهو أمر مستغرب من باحث لم يكلف نفسه شكر تيار الإصلاح الذي سعى حينها لبيان حقيقة ما يجري في مملكة البحرين ليس أكثر. وليس بخافٍ ما كان لهذا النشاط الوطني من قيادات المنبر الوطني الإسلامي من دور كبير في بيان الصورة الحقيقية للخارج عن حقيقة الاحتجاجات الطائفية في البحرين. ومثاله أيضاً قاله عن تعَمُّد تأخر المبتعثين في الرياض من أجل قولبة بقية المبتعثين (إخوانياً)، وهو أمر لايستطيع باحث عنده أدوات بحث بسيطة أن يركن إليه وهو من قبيل كلام أفواه إذا كنا سننفي صفة التحامل عن الشهابي والتي نبرئه منها بكل تأكيد.
أما الورقة الأخيرة للأكاديمي العريق الدكتور محمد حسن السيد عن (مفهوم المواطَنة في دول الخليح العربي بين تحديات الواقع ورهانات المستقبل.. مملكة البحرين نموذجاً)، فقد جاءت عميقة وشفت غليل الحاضرين لما لمسوه من صدق الخطاب والنظرة العميقة والبحث الرصين من باحث له باع طويل. وكذلك حماسه الوقَّاد في عرض ما تمر به دول الخليج من واقع وتحديات المواطنة، ضارباً بكثير من الأمثلة الواقعية بعد عرض علمي مؤصل عن مفهوم المواطَنة الحديث نسبياً.
ومن وجهة نظري كانت هذه أفضل ورقة قدمت في المؤتمر بعد الورقة الرئيسية للدكتور البشير؛ لاحتوائها على مفاهيم تقود للمستقبل ولاتكتفي بسرد التاريخ فقط كما كانت أغلب بقية الأوراق. وأُقَدِّر أنه كان يستحق أكثر من 25 دقيقة لعرض ما يقول وخصوصاً أننا نفخر بوجود أمثاله من الاستراتيجيين المخلصين في البحرين.
خدمة إيقاظ:
كم أتمنى أن يكون المؤتمر القادم قريباً ولا تكون فترات الانعقاد متباعدة. وكم أتمنى أن يشارك الأستاذ زاهر محمد سعيد المعروف بفكره ونظراته الاستراتيجية في مخاطبة الحضور ولايكتفي بالتعبير عما لديه من مداخلات فقط.
وأخيراً أقترح أن يدمج اسم مؤتمر الإصلاح بمنتدى الشيخ عيسى بن محمد؛ لكي يكون اسمه رحمه الله حاضراً في المؤتمر، وكي تزهر الشجرة التي بذرها هو وإخوانه وسقوها ورعوها حق رعايتها.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com