لمن كان له قلب

حارقةٌ كانت تلك المشاهد التي أبصرها العالم أجمع، والتي احتضنتها بلدة خان شيخون بمحافظة إدلي السورية، إذ جسدت مشاهد القتلى والمنكوبين درجة من التَّوَحُّش لايكاد يناظرها في البشاعة إلا جريمة رابعة المصرية في العام 2013. ولا غرابة، فالذين توَّلوا كِبْرَ هاتين المجزرتين في دمشق والقاهرة ينتمون إلى ذات السلالة السياسية التي ما فتئت تُهلِك الحرث والنسل في المنطقة العربية.
ولست أريد أن أتحدث في هذا الموطن عن تلك السلالات التي هوت في قاع سحيق من خِسَّة الطبع ودناءة المسلك ورداءة المعدن، ولم تعد جديرة بالانتماء إلى الجنس البشري، إنما هي وحوش ضارية في ثوب إنْس. ولست أرتاب لحظة أن منقلباً بائساً في انتظارها. ولكن المثير في الأمر أن ترى فئات من الناس تصطف مع هذه الوحوش البشرية: تصطنع لها الذرائع وتنتحل لها الأعذار وتحيطها بسياج من التبريرات المتهافتة، فيجتمع على المرء مصيبتان: مصيبة الدماء والأشلاء ومَحارق الموت التي اقترفتها الأيدي الفاجرة، ومصيبة التبرير الرخيص الذي يضطلع به الزبانية والأعوان! و لن نبعُد إِنْ نحن صنَّفنا أولئك في ثلاث فئات:
• النظم الرسمية التي آثرت الانتصار للظلم والاصطفاف مع الجور والانحياز إلى البغي، وليست هي موضوع حديثنا.
• المأجورون الذي باعوا دينهم (إنْ كان لهم دين) وأهلكوا دنياهم وتمرَّدوا على بقايا الحس الإنساني في أنفسهم، وليس هؤلاء هم المعنيون بهذا الحديث أيضاً!
• المخاطب هم الفئة الثالثة، وفيها يندرج السواد الأعظم من مؤيدي النظام السوري، وهم أولئك الذين لُبِّس عليهم فخُدِّرت عقولهم وأُميتت ضمائرهم وسُحرت أعينهم حتى تعطلت مَلكات الرحمة في أفئدتهم، وجفت ينابيع النُّبْل الإنساني في قلوبهم، وتمكنت منهم آلة الشر حتى أحالتهم إلى هامات بشرية خاوية، واستزلهم الشيطان ببعض ما اكتسبوا فطفِقوا يخوضون في دماء الأبرياء بألسنتهم وأقلامهم وهم يحسبون أنهم يُحسِنون صنعاً!
أقول لهؤلاء أو لمن كان له قلبٌ منهم، حسبكم من الإثم ما قد سلف، أَيُعْوِزُكم الدليل على فجور بشار وحزبه، أم ينقصكم البرهان على فتْكه بالأبرياء وقتله للمستضعفين من الشيوخ والنساء والوِلدان الذين لايجدون حيلة ولايهتدون سبيلاً! أغلب الظن أن أكثر هؤلاء قد تشَكَّل وعيُه إزاء القضية السورية في سياقات عبأته بمقولات آثمة وشحنت وجدانه بإرجافات متهالكة، فتلقَّفها دون تمحيص وارتشفها دون تثَبُّت، وليس في ذلك عذر ولا مندوحة، فالحجة على فجور بشار قائمة والبرهان على بوائقه ساطع.
وأي دليل أبلغ من مشاهد الموت تتراقص أمام الناظرين. ومن لم تحركه بواعث الإخاء الإيماني فلتستيقظ في حسه رابطة التضامن الإنساني! فما الذي حملكم على هذا، أهو التماهي مع بعض المواقف الرسمية، أم هي النكاية بالعنوان الإسلامي الذي ترفعه مجمل الفصائل السورية؟ لا عذر لأحد في هذه ولا تلك، ولا عاصم لكم من أمر الله، ومَن عجز عن نصرة الحق فليسعه السكوت عن تأييد الباطل! رغم فداحة الخطْب و عِظَم الفاجعة، فلايزال في الأمر متسع إنْ ثاب هؤلاء إلى الرُّشْد وطلبوا الحق واجتهدوا في السعي إلى معانقة الحقيقة، وإن أبوا إلاَّ سبل الزَّيْغ فليبشروا بما يسوؤهم، فسُنَّة الله في إهلاك الظالمين وأشياعهم ماضية، فقد أوحى الله إلى رسله: «لنهلكن الظالمين»!

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com