لهذه الأسباب لا أزور القدس

القدس مدينتي ومسقط رأسي، لا أُطَبِّع مع عدوي ولا أقبل تأشيرة صهيونية مباشرة أو عن طريق تنسيق أمني مع السلطة الفلسطينية في رام الله.
وأرفض أن يُسمح لي بزيارة 6 ساعات للصلاة تحت مسمى زيارة دينية تريد (إسرائيل) أنْ ترسِّخ بها مفهوم الزيارة أو السياحة الدينية للأقصى للصلاة وحسب الأوقات التي تحددها، إمَّا في وقت صلاة الظهر والعصر أو صلاة المغرب والعشاء أو حتى خلال شهر رمضان لصلاة التراويح، ومن ثم المغادرة قبل انتهاء وقت الزيارة، وبذلك ترسِّخ أيضاً مفهوم أنَّ لمستوطنيها حق في زيارة الأقصى والتجول في ساحاته، وجلْب السياح لأماكن تعتبرها بالدرجة الاولى يهودية!
ففي عرفهم وثقافاتهم أننا بأخْذ تأشيرة زيارة منهم، أنهم أصحاب المكان والزمان واعتراف بشرعيتهم. إن مثل هذه الزيارة تعطي الكيان الصهيوني فرصة كبيرة يستغلها إعلامياً وسياسياً ودبلوماسياً, ليقول للعالم كله «لماذا يطالب الفلسطينيون والمسلمون بالقدس, طالما أنهم يستطيعون زيارتها حينما يشاؤون!» وسيظهر العدو الصهيوني بمظهر المتسامح, وكلنا نعلم وندرك أن الكيان الصهيوني يجيد استغلال مثل هذه الفرص.
إن هذه الزيارة من شأنها أنْ تكسر وتزيل الحاجز النفسي لدى الشعوب العربية والإسلامية من التعامل مع الكيان الصهيوني, فمانزال حتى اللحظة نرى رفضاً شعبياً للتطبيع مع الكيان الصهيوني وخاصة في البلاد التي تطبع رسمياً مع ذلك الكيان مثل مصر. فلم نر وفوداً من الشعب المصري يذهبون للقدس مثلاً. ولماذا الشعب الخليجي عموماً والبحريني بالذات نشط في قبول فكرة الذهاب إلى القدس؟!
إن اعتبار زيارة مناطق السلطة الفلسطينية غير ذات أهمية وهي مجرد مرور لأخذ تأشيرة فقط لزيارة القدس، رغم حرص السلطة على الاحتفاء بالزائرين الذين ياتون خصيصاً بغرض الذهاب للقدس. ولكنهم يقيمون بمناطق السلطة ولايستطيعون المبيت ولو ليلة واحدة في القدس. فهل تكفي هذه السويعات لزيارة القدس؟ فالقدس ليست فقط المسجد الأقصى وقبة الصخرة وباحات الحرم. القدس بمساجدها الأخرى ومآذنها وبأبوابها التاريخية السبعة ومقابرها وزواياها وكنائسها وحماماتها الأثرية القدس وبأضرحة أوليائها الصالحين وأَسْبِلَتها ومستشفياتها ومدارسها ومعاهد التعليم بها.
لا أزور القدس رغم أنني مقدسية أباً عن عاشر جد. لا أزور القدس وهي محتلة لأنني أرفض أن لا أنام تحت سماء القدس ولا أشم رائحة ترابها ولا يلفحني هواؤها. القدس هي: كما قال صلاح الدين عندما سأله (بليان) بعد أن فتح القدس في العام 1187م، ماذا تعني لك القدس فقال (لا شيء). ثم رجع خطوة للخلف وقال صلاح الدين (كل شيء).
القدس عند صلاح الدين تعني: كل شيء، ويجب أنْ تعنيَ لنا نحن العرب والمسلمين كل شيء، وليس فقط أنْ يكون هدفنا زيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه. يحب أنْ نظل متمسكين بأمل تحرير القدس وإنْ كان ذلك مستحيلاً في الوقت الحاضر، ولكن حتى تتم تسوية سلمية ما! تعود فيها القدس محرَّرة وعاصمة لدولة فلسطين العربية، لن أفكر في زيارة القدس.
يقولون لي ويسألونني: أليست الزيارة دعماً كبيراً لصمود القدس وأهلها! وأنه لايجوز ترك القدس وحدها بيد اليهود؟!
فأقول: تبدو هذه الحجة العاطفية مقنعة للعامة نظراً لسطحيتها وسهولة تسويقها، وبروز بعض الجهات الفلسطينية المروِّجة لها، وهي جهات تطبيعية معروفة تورَّطت في أكثر من التطبيع إلى حيث التنسيق الأمني، ويزعم هؤلاء أن القدس باتت وحيدة في مواجهة المحتل وأنها لاتجد من يناصرها في مواجهة التحديات الصهيونية الضخمة، وأن حضورنا الدائم هناك يمنع المحتل من الاستفراد بالمدينة.
ونقول: القدس لم تكن يوماً وحدها، فالمقدِسيون الذين يقطنون اليوم في محافظة القدس يزيد تعدادهم عن ربع مليون، لكن المشكلة أنهم محرومون من الزيارة في مواسم كثيرة، بل إن الفلسطينيين في الضفة الغربية صارت الصلاة في القدس من أحلامهم التي يفعلون الكثير لجعْلِها حقيقة، وإذا كان من جهد يبذَل هنا فهذا الجهد ينبغي أنْ يكون في توطين هؤلاء المقدسيين وتمكينهم من حماية الأقصى والرباط فيه، ولايمكن لزيارة عابرة أنْ تقدم شيئاً يذكر في مواجهة الآلة الصهيونية اليومية التي تفعل الكثير كل دقيقة.
ولايعني هذا أننا نعني الفلسطينيين والمقدسيين وحدهم بل إننا ندعو كل من يحمل جوازاً لدولة أجنبية غير عربية أو مسلمة تعترف بالكيان الصهيوني أن يذهب إلى المدينة ويشارك في فاعليات التضامن والنصرة بكل ما أوتي من قدرة، وندعو أهلنا في الأرض المحتلة عام 1948 وفي أرض الجولان السوري المحتل أن ينصروا القدس بحضورهم، لأن هذا الحضور لاتستفيد (دولة) الكيان الصهيوني منه، بل إنه يكاد يكون مرفوضاً لدى (الإسرائيليين)، فهم يريدون زيارات تخدم خططهم السياسية والاقتصادية والأمنية، لا زيارات تفتح المجال لمواجهات وصراعات، ويعملون على تهيئة الفلسطيني والعربي والمسلم ليقبل بالأمر الواقع ويعمل على نشر ثقافة القبول بالآخر، واعتباره المحطة الأولى والأهم لإنجاز مشروع التطبيع.
ومن خلال مشروع السياحة الدينية التي يعملون الآن عليها ويشجعونها اعتماد سياسة الاختراق للوصول إلى مراكز الحصانة الثقافية العربية المتمثلة في المؤسسات الدينية والثقافية.
والمشكلة اليوم ليست في أنْ نترك المحتل يفعل ما يشاء لأنه يفعل ما يشاء حقاً في القدس دون رادع، وإنما المشكلة هي في عجزنا عن الردع حتى بكلمة موجعة مؤثرة، فهو يفعل ما يشاء ويعلن عن ذلك بوقاحة وتفصيلٍ، ويفتخر بذلك في كل مكان، ولو أننا تقصَّينا ما يعلن المحتل عنه من سياسات التهويد وأعمالها لأغنانا عن كثير من المشاهدات، فهذه اعترافاته المعلَنة.
وبمعنى آخر فإن هذه الزيارات للوفود والأشخاص العاديين لاتحقق معنى النُّصرة ولاتزيد الأمر وضوحاً ولاتقدم وسيلة دعم للمرابطين الذين حمَوا الأقصى ودافعوا عن المدينة عشرات السنين.
أنْ أذهب للقدس وأدَّعي أنه بزيارتي للقدس أدعم صمود اَهلها والمرابطين فيها غير صحيح. لا أنا ولا أي وفد أو زائر عربي يذهب بغرض الصلاة فقط في المسجد الأقصى يستطيع أن يدعم أهل القدس ويتعرف على معاناتهم إذا لم يعش بينهم ولو لأيام ويبات معهم في الرباط في ساحات المسجد الاقصى ويأكل من أكلهم وينتظر خطر المداهمة ويتحدى العدو ويركض بسرعة الريح معهم من رصاص العدو والمتوقع في كل لحظة.
ولا أنا ولا غيري مما يذهبون كوفود داعمة يستطيعون أنْ يناموا ليلة واحدة في مدينة القدس ولا في فنادقها ويتجولوا في شوارعها ويشتروا من متاجرها، إلا من يذهب بتأشيرة (إسرائيلية) عن طريق سفارات (إسرائيل) في الخارج.
من منا يريد الاصطفاف أمام سفارة العدو من أجل تأشيرة؟! أنا لن افعلها حتى آخر يوم في عمري. وأيضاً لن أذهب بتنسيق أمني (إسرائيلي/ فلسطيني) قد يوافق عليه العدو أو يرفضه، أو أتسلل تهريباً من رام الله إلى القدس كحرامي. وعندما يُكتشَف أمري يتم ترحيلي ولربما سَجني. لن أفعل ذلك رغم أحقيتي بالذهاب قبل أي عربي رضي أن يذهب بهذه الطريقة رغم كل المخاطر التي تحيط بهذه المجازفات.
القدس تحتاج لدعمنا لاشك، وهناك مئات الطرق لمساعدة أهل القدس. ومن يود المساعدة ودعم القدس عملياً فهناك العديد من المؤسسات والهيئات في داخل فلسطين وخارجها وفي مملكة البحرين أيضاً مما يستدَل به على سبيل واضح ومضمون لدعم القدس دون مزايدات سياسية.
كتبت هذه المقالة رداً على أسئلة كثيرة جاءتني من أصدقاء يسألونني عن شرعية زيارة القدس تحت الاحتلال إن كان يعتبر تطبيعاً مع العدو أو أنه من باب الواجب الديني والوطني؟
شرعياً أنا لا أفتي ولست مؤهلة لذلك، وقد أفتى من قبل علماء الدين الإسلامي ومسيحيون أيضاً منذ زمن بعدم جواز زيارة القدس تحت الاحتلال. ولكن مؤخرا ومع محاولة التطبيع والتقارب و(المصالحة) أفتى (علماء دين) جدد بوجوب زيارة القدس وذهب منهم من ذهب لزيارة القدس مثل الحبيب الجفري، وقد أشفقت كثيراً عليه وهو يدافع عن زيارته للمسجد الأقصى لإحدى قنوات (المنوعات) الفضائية المشفَّرة، فقد كان بيانه بيانَ المحشور في الزاوية النادم على فعلته.
لن أذهب للقدس وأنا ابنة القدس إلا بعد تحريرها، ولن أكتفي إلا أنْ أدفن فوق ترابها.

V باحثة وكاتبة في التاريخ الحديث والمعاصر
رئيسة جمعية نساء من أجل القدس

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com