ليست تركيا بدعاً في السياسة.. كلٌّ وله كيانه الموازي

كشفت أوراق بنما الأخيرة عن النفوذ الكبير لشركة (شِل) النفطية في رشوة ودعم وتمويل حكام أفريقيا المستبدين، ومن قبل كشفت الوثائق أيضاً عن وقوف الشركات الفرنسية خلف انقلابات أفريقية بعيداً عن المصلحة الفرنسية الرسمية، وهو ما استدعى تدخل المؤسسات الرسمية الفرنسية لوقف تلك الانقلابات دون جدوى. وكانت شركة (إلف) النفطية الفرنسية من يقود تلك الانقلابات العسكرية، وهو ما أزعج حتى الاستخبارات الفرنسية الخاصة، وعلى الرغم من تدخل فرانسوا ميتران الرئيس الفرنسي يومها إلا أنه لم يفلح في تحجيم دورها، وواصلت الشركات الفرنسية تدخلاتها وهو ما دفع الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي إلى التدخل لوقف فيلم كانت تنتجه شركة فرنسية يتحدث عن الكيانات الموازية الفرنسية للحكومة والسياسة الفرنسية.
وهنا ينبغي أن أستذكر سر جلب حامد كارزاي واختياره من بين عشرات المرشحين للرئاسة الأفغانية بعد إسقاط حكومة طالبان أفغانستان عام 2001، فكارزاي كان مستشاراً خاصاً لشركة يونوكول الأميركية المنافس الرئيسي لشركة بريداس الأرجنتينية، وكلتاهما تعنيان بنقل الغاز من آسيا الوسطى عبر أفغانستان إلى باكستان فالهند، وبالتأكيد فإن الشركات الأميركية بعد التدخل العسكري الغربي الذي شاركت فيه 39 دولة وقادته الولايات المتحدة الأميركية في أفغانستان سيقع عليها الاختيار للقيام بهذه المهمة.
و الكل يعلم دور ديك تشيني وغيره من المحافظين في تأجيج الصراع بالعراق وأفغانستان نظراً لعلاقتهما بشركات هاليبرتن الأميركية وغيرها من شركات التسليح العالمية، فمثل هذه الكيانات الموازية أثبتت قوة سياسية أقوى من السياسيين والعسكريين أنفسهم، كونها هي الدولة العميقة وكونها هي الباقية بينما السياسيون موسميون راحلون.
لعل الموقف الأميركي الذي اتخذه الرئيس باراك أوباما في وضع خطه الأحمر الشهير لطاغية الشام وحذره من تجاوزه باستخدام الكيماوي، لكن سريعاً ما تراجع عن تهديداته وتم لفلفة الأمر، والأعجب من ذلك حين سُئل أحد مهندسي السياسة الأميركية في سوريا وهو السفير السابق في سوريا روبرت فورد عن تراجع أوباما فقال: «هو صرح ولكن هناك إجراءات وسياسات أخرى!». إذن من يصنع تلك السياسات ومن يعبر عنها، إنها الدولة العميقة باختصار، أو ما بات يُعرَف سياسياً بحسب السلوك التركي بالكيان الموازي.
ما يحصل في العالم كله من النفوذ الرهيب للمؤسسات العسكرية والاستخباراتية يكشف مدى السطحية السياسية للبعض، حين ظن أنه بانتخابات وديمقراطيات وشكليات يستطيع أن يحكم، وحين سألت أحد السياسيين العرب الذين حكموا في إحدى دول الربيع العربي عن حجم نسبة الحكم التي كان يحظى بها بعد الربيع العربي في بلاده قال إنها لاتتعدى العشرين بالمائة؟

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com