ما لم تَنْفِه الاشتباكات الصهيونية الإيرانية بسوريا

على خلاف السياسة النظامية السورية حيال الهجمات (الإسرائيلية) المحدودة طوال العقود الماضية؛ فإن نظام دمشق لم يكتفِ هذه المرة بـ”الاحتفاظ بحق الرد في المكان والزمان المناسبين”، كعادة البيانات الأسدية في أعقاب كل غارة (إسرائيلية)، بل تصدى لإحدى تلك الطائرات السارحة بسمائها فأسقطها، وفقاً لبيانات رسمية.
ليست هذه هي المرة الأولى التي يطلق فيها نظام بشار الأسد مضاداته الأرضية ضد الطائرات (الإسرائيلية)، لكنها الأولى التي ينجح فيها في إسقاط طائرة، وقد كانت من قبل تُطلَق ذراً للرماد في العيون للإشعار بأن لدى النظام منظومة دفاعية فحسب!
لايَحار الخبراء كثيراً في تفسير سبب (نجاح) نظام بشار في إسقاط طائرة (إسرائيلية) هذه المرة، لا من حيث الإمكانات ولا من حيث الجرأة، إذ يكاد يُجمِع هؤلاء على أن روسيا هي مَن أسقطت الطائرة سواء أكانت منفردة أو بإرادة مشتركة مع الإيرانيين، كما لم يتوقفوا كثيراً عند (قرار) دمشق؛ فلقد استقر في أذهان الجميع وفقاً لمعطيات لايتسلل إليها الشك في أن القرار داخل سوريا لايعود بالمرة إلى نظام بشار، وإنما إلى موسكو وطهران باختلاف الترتيب طبقاً لتعدُّد الآراء حول الدورين الروسي والإيراني في حكم سوريا وتكاملهما كثيراً وتعارضهما أحياناً وحجم نفوذ الدولتين.
لكن لماذا حصل رد الفعل هذا هذه المرة، أهو بسبب تطوير منظومة الدفاع الجوي السورية بحيث صارت قادرة على إبداء قدر من الردع للعربدة الصهيونية مثلما يدندن حول ذلك الإعلام السوري ومشايعوه، أم هو بسبب تغيُّر قواعد الاشتباك بين النظام السوري والكيان الصهيوني، أم هي مسرحية جديدة بين نظامين حليفين لتجميل صورة أحدهما أمام (شعبه)، مثلما ينزع إلى هذا مَن يميلون إلى تجيير التحالف العلوي الصهيوني باتجاه التطابق التام والتبعية الكاملة؟
من دون تحَفُّظ يمكن استخلاص نتيجة أولية من هذا الاشتباك المحدود، الذي بدا أن الكيان الصهيوني كان الرابح فيه نسبياً برغم إسقاط طائرته الـF-16 الأميركية الصنع، حيث توالت الغارات قبل وبعد إسقاط الطائرة (الإسرائيلية) على مواقع للنظام السوري في ريفي دمشق ودرعا مُوقِفَة حركة الطيران في مطار (تي فور) العسكري بعد تدمير برج مراقبته، وتدمير ثلاث منصات للمضادات الأرضية وأربعة مواقع أخرى إيرانية بحسب بيان ما يوسم بـ(الجيش) الصهيوني، ووحدة تابعة للحرس الجمهوري وفقاً للقناة العاشرة (الإسرائيلية). هذه النتيجة الأولية تشير إلى أن ثمة حدوداً للحركة الإيرانية والسورية التابعة لن يَسمح الكيان الصهيوني بتخطِّيها، ورسالة مقابلة ترغب روسيا وإيران إرسالها لتل أبيب.
بغض النظر عن تفسير الغارات وردات الفعل المتوالية من الطرفين، والتبرير الصهيوني بأنَّ توغله الجوي كان بسبب طائرة إيرانية تجسسية مُسَيَّرة اخترقت حدود فلسطين المحتلة؛ فإن محور الاشتباك دار حول حدود المشروع الروسي الإيراني الممتد من طهران حتى بيروت، والذي يمر طريقه بالقرب من حدود فلسطين، حيث لاترغب تل أبيب في هيمنة روسية إيرانية على الحدود الفلسطينية السورية، وإيجاد مناطق آمنة محرَّمة على الروس جواً والإيرانيين أرضاً وجواً تمس تلك الحدود. علاوة على الإرادة الأميركية الدافعة لـ(الإسرائيليين) في الرد على التجاوز الروسي على مناطق النفوذ الأميركي في الشمال السوري، إذ تجسدت تلك الإرادة في قصف عنيف بدير الزور أودى بحياة عسكريين رفيعي المستوى من الروس والسوريين.
طائرة الصهاينة أُسقِطت بسلاح روسي، وصلت من خلاله رسالة عسكرية مهمة إلى جوار تلك السياسية التي أمضاها الروس إلى الأميركيين بأن عزمهم والإيرانيين أكيد على إتمام خط طهران بيروت، وفرض الهيمنة الروسية على شرق المتوسط، ووصل الرد (الإسرائيلي) سريعاً أيضاً بأن للكيان (حدوده) الاستراتيجية التي لن يتنازل عنها حتى مع قبوله التقليدي للإيرانيين كحراس من الدرجة الأولى، بعد (جيشه)، لحدود فلسطين التي يحتلها، وبأن مشروع الأميركيين الاستراتيجي النفطي، وقواعده المنتشرة في الشمال يتعين ألا تمس.
وعلى الهامش، يأتي الثأر الروسي لإسقاط الطائرة الروسية ومقتل قائدها في إدلب، والتي ربما كان بسلاح أميركي، ويأتي الصراع التقني بين صُنَّاع الأسلحة الأميركيين والروس، إلى غير ذلك من الأهداف الفرعية.
هذه مرحلة رسم الخرائط وبروز الخلافات، لكن غالباً لاتتطور صراعاتهما إلى ما هو أبعد بكثير من هذا المستوى من الاشتباكات، وعلى هذا يشدد (الجيش) الصهيوني في بيانه أن “(إسرائيل) ليست معنية بالتصعيد!”، وبرغم أن محللاً عسكرياً (إسرائيلياً) بارزاً كيوسي ميلمان قد لفت في مقال بصحيفة (معاريف) العبرية إلى أن “الرد السوري يشير إلى احتمال انفجار الأوضاع الأمنية وتطورها، وإمكانية التصعيد وخصوصاً في ظل الواقع المعقَّد التي تعيشه سوريا”، إلا أن القوى الكبرى والإقليمية ذات النفوذ داخل الأراضي السورية تدرك مغبَّة تصعيد الخلافات، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى؛ فإن الأصل لابد ألا يغيب في اتفاق معظم هذه القوى حول عدم قيام السُّنَّة ونهوضهم في سوريا في هذه البقعة الاستراتيجية بالغة الأهمية عسكرياً وسياسياً ودينياً وتاريخياً، وهذا يحتم على الإيرانيين ومن خلفهم الروس، والصهاينة ومن خلفهم الأميركيون العمل لعدم وصول الخلافات إلى الحافة، والوصول لنقاط اتفاق ما، مهما كانت المشاريع متباينة.
صحيح أن الإيرانيين والصهاينة حلفاء، وأن الكيان الصهيوني قد سمح لإيران دون غيرها بالسيطرة على المناطق المتاخمة لفلسطين المحتلة، لكنه لن يُسَلِّم رأسه بالنهاية للإيرانيين، ولن تمنح غير (جيشه) مهمة حماية حدود فلسطين المحتلة. ثمة تحالف واضح، لكن هناك مشاريع متعارضة، ولايسمح هذا التعارض بالتفسير المبسط عن وجود (مسرحية)؛ فحين تُرسم الخرائط يتصارخ الرسامون.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com