ما وراء «سيلفي» غوفشتيان في الأقصى

يحمل التعليق الذي كتبه الحاخام بنتسي غوفشتيان أسفل صورة (السيلفي) التي التقطها له ولولديه إمام مسجد قبة الصخرة المشرفة ونشرها على حسابه على (تويتر) الكثير من الدلالات.
فقد كتب غوفتشاين: «عدنا للهيكل ولن نغادر مطلقاً». وتنبع دلالة هذا التعليق من حقيقة أن غوفشتاين، كان ضمن قائمة الأشخاص الذين تعهَّد الموسوم (رئيس الوزراء) الصهيوني المدعو بنيامين نتنياهو للأردن بعدم السماح لهم بتدنيس الحرم القدسي الشريف/ المسجد الأقصى المبارك.
فغوفتشاين يتزعم منظمة (لاهفا) الإرهابية التي تتولى تنفيذ عمليات تنكيل ممنهجة ومعلنة ضد الفلسطينيين في القدس المحتلة وبقية المدن المختلطة التي يعيش فيها الفلسطينيون من أصحاب الأرض، والمغتصبون الصهاينة، مثل: حيفا، صفد، عكا، الرملة، اللد وغيرها.
وتمثل صورة وتعليق غوفشتاين فقط مؤشراً على تعاظم مظاهر التحفز الصهيوني لتغيير الوضع القائم في الحرم القدسي، حيث تخطت جموع الصهاينة التي دنست الحرم خلال ما توسم بـ(الأعياد) اليهودية الأخيرة الأرقام القياسية السابقة. فقد وصل عدد اليهود الذين دنسوا الحرم في اليوم الواحد 530 شخصاً، وهو ما يدلل على طابع استراتيجية التحشيد التي تعكف عليها (إسرائيل) من أجل ترويض الفلسطينيين والعرب على مخطط تغيير الواقع السياسي والقانوني في الأقصى.
ومما لاشك فيه أن أخطر ما أقدمت عليه (الحكومة) الصهيونية هو غضُّها الطرْف عن تكثيف حركات (الهيكل) المزعوم التي تجاهر بتحركاتها الهادفة إلى تدمير المسجد الأقصى بهدف تدشين الهيكل على أنقاضه، أنشطتها لتفيذ هذا الغرض الخبيث. فقد أجرت هذه الحركات قبل أسبوع ما يومس بـ(قداس الزيت)، وهو أحد القداسات التي يدعي الموروث الديني اليهودي أنها تسبق تدشين الهيكل، حيث كانت المفارقة أن هذا القداس قد نُظِّم تحت سمع ونظر الشرطة الصهيونية بالقرب من باب المغاربة.
وفي الوقت ذاته، فقد دلت حركة ما يوسم بـ(التأصيل الفقهي) لدى المرجعيات الدينية اليهودية بشأن الحرم القدسي الشريف/ المسجد الأقصى، الذي يطلق عليه اليهود (جبل الهيكل) عن حدوث انزياحات مهمة ولافتة على الموقف (الفقهي) اليهودي من مسألة تدنيس الحرم. فقد تعاظم عدد الحاخامات الذين يرون أنه لايتوجب الانتظار حتى يتدخل ما يسمونه بـ(المخَلِّص المنتظر) من أجل بناء الهيكل، وأنه يتوجب على اليهود حالياً القيام بهذه المهمة.
واللافت أيضاً أن مرجعيات دينية أخرى باتت تقف إلى جانب هذا الرأي الفقهي، حيث إن العشرات من حاخامات المدن الكبرى يؤيدون هذا الموقف، ويشاركون بأنفسهم في حملات التدنيس ويستغلون مكانتهم الدينية في تحريض أتباعهم على تدنيس الحرم.
وفي الوقت ذاته، فقد حدث تحوُّل سياسي واضح على مواقف مستويات (حكومية) من مسألة بناء الهيكل، كان يفترض أن تشعل كل الأضواء الحمراء في أروقة الحكم في السلطة الفلسطينية والأردن وجميع الحكومات العربية والإسلامية. فقد انضم عدد من كبار المسؤولين الصهاينة إلى الحملات التي تشجع على تدمير الحرم القدسي/ المسجد الأقصى. ففي أقل من شهرين، عاد الموسوم نائب (وزير) الحرب الصهيوني الحاخام المدعو إيلي بن دهان لتأكيد تصريحاته السابقة بأن «موعد بناء الهيكل قد اقترب».
وعندما يصدر هذا الموقف عن الرجل الذي يحتل المكانة الثانية في تراتبية الجهاز الأمني (الإسرائيلي) فإنه يحمل دلالة كبيرة، وكان يفترض أن تتم مساءلة (حكومة) تل أبيب عن موقفها من هذا التصريح. لكن من أسف فإن أحداً في السلطة الفلسطينية والعالمين العربي والإسلامي لم يحرك ساكناً.
ومما يبعث على الشكوك على أن التحركات الصهيونية تجاه الأقصى تأتي في إطار مخطط شامل، حقيقة أن وسائل الإعلام (الإسرائيلية) باتت تؤكد أن الحملة التي تشنها الأجهزة الأمنية الصهيونية ضد الحركة الإسلامية وقائدها الشيخ رائد صلاح تأتي في إطار التمهيد لتنفيذ مخطط واسع يهدف لإضفاء شرعية لفرض التقاسم الزماني والمكاني في الحرم، تمهيداً لإحلال السيادة اليهودية عليه بالكامل.
قصارى القول إن الصمت العربي والإسلامي وقبل ذلك الفلسطيني على ما يقوم به الصهاينة ضد الأقصى بالغ الخطورة. وهذا الصمت لن يخدم بالمناسبة في النهاية مصالح أنظمة الحكم العربية والإسلامية والسلطة الفلسطينية. فالجماهير الفلسطينية قد أثبتت أنها لن تصمت على أي سلوك صهيوني يهدف إلى تهويد الحرم. ولا حاجة للتذكير بأن ردة الفعل الجماهيرية الفلسطينية ستُحرِج الكثير من أنظمة الحكم وتضعها في تناقض مع تطلعات شعوبها وثوابتها.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com