ما يمدح السوق إلا من ربح فيه..!

هذا مثل شعبي قديم، من الأمثال المشهورة والدارجة في مملكة البحرين ودول مجلس التعاون الخليجي، ويُرَدَّد على نطاق واسع. والمثل له مفهوم ومعنى واسع وشامل. وكما هو معلوم فإن الأمثال التي اكتسبت شهرة ووصلت إلينا من السابقين لم تأت من فراغ، فالمثل يعطيك مفهوماً واضحاً عن واقعة أو حالة تمس سائر الناس. وهذا المثل يُقصَد به أنه عندما تسأل شخصاً ما عن السوق الفلاني مثلاً يقول لك: «والله هذا السوق من أفضل الأسواق»، وإذا كان يعمل به يشرع في سرد وبيان الإيجابيات من كل الجوانب عن هذا السوق، وربما تكون عنده بضاعة ويريد تصريفها، وهنا يتوسع في كيل المديح بشتى أنواعه لهذا السوق.
وعندما نبحث في مفهوم المثل من ناحية أخرى كما في حالة امتداح شخص شخصاً آخر والتحدث عن سماته وسيرته وعن أفعاله ومزاياه، حسب مفهومه هو ومن وجهة نظره، وربما ما يوردها من أقوال وما يثني عليها من أفعال ليست لعموم الناس أو لكل من يعرفهم، ولكنها تًذكَر للشخص المخاطَب بصفة شخصية؛ فهكذا يقول المثل: «ما يمدح السوق إلا من ربح فيه».
وقد وهب الله سبحانه وتعالى الناس قدرات ومواهب وعقولاً، فحرية التعبير مكفولة للجميع والكلام مباح ما دام لايتجاوز حدود الأدب؛ لذا نلحظ في هذه الأيام الكثير من المدَّاحين الذين يسارعون إلى مدْح من يرون أنه سبب في تحقيق مصالحهم، فلايضيِّعون الفرصة ولو على حساب دينهم وأخلاقهم، إذ يمدحون الناس بما ليس فيهم بألفاظ منمقة وبعبارات مُبالَغ فيها ومغالى دون وجه حق.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اذا رأيتم المدَّاحين فاحثُوا في وجوههم التراب» رواه مسلم. فهل تطبيق هذا الحديث صعب هذه الأيام بعد أن كبُر المشهد وكثُر المدَّاحون؟ وأصبح أغلب الناس يفضلون السكوت عن المادح. والمقصود أن علينا جميعاً عدم المبالغة والمغالاة والكذب في المدح، وليس كل مادح يُحثَى في وجهه التراب، إنما يحثى في وجوه المدَّاحين، ومدَّاح صيغة مبالغة أي مَن يكثر منه المديح للغير دون وجه حق وخلاف الصواب.
والمدَّاحون هم الذين اتخذوا من مدح الناس عادة وجعلوه بضاعة ومهنة يسترزقون بها الممدوح ويفتنونه، فأما من يمدح الرجل على الفعل الحسن والأمر المحمود فإنه يكون ترغيباً له في أمثاله وتحريضاً للناس على الاقتداء به في أشباهه، وهذا ليس بمدَّاح وإن كان قد صار مادحاً بما تكلم به من جميل القول فيه.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com