متاع الغرور..!

إنما الدنيا متاع زائل فاقتصد فيه وخذ منه ودع. تسع كلمات متتالية تفسر لنا هذه الدنيا التي نعيشها وتوضح لنا ماهيتها بشكل لايقبل التأويل بأنها متاع زائل علينا الاقتصاد فيه، وأنْ نأخذ منه أشياء وندع منه أشياء أخرى. هذا التعريف المبهر للدنيا علينا أنْ نوقنه جيدًا ونربي أبناءنا عليه، وعلى كل فرد منا أن يضع هذا التعريف الحرفي الدقيق في ذهنه ومخيلته دومًا، في صباحه وليلِه، وخلال جميع تعاملاته وظروف حياته اليومية.
وبالتطرق إلى كلمة (الدنيا) وإلى كلمة (الحياة)، فإن معظمنا قد يتشابه لديه معنى هاتين الكلمتين فلايفرق بينهما بالرغم من أن الفارق بينهما كبير وشاسع جدًا. فالدنيا هي الأرض التي نعيشها الآن والتي أخرج الله سبحانه وتعالى نبيه آدم من الجنة وأنزله إليها فسُمِّيت دنيا لِدُنُوِّها، وهي أحد أسباب تسميتها بهذا الإسم. أما الحياة فهي متعلقة بالروح، فالروح تحيا في الجنين وهو في بطن أمه، وتحيا في المولود إلى أن يحين أجله في الدنيا، وتحيا في القبر وتسمى حياة البرزخ، وتحيا بعد ذلك في (الآخرة) وهي عكس (الدنيا) إما في النعيم أو الجحيم، أعاذنا الله وإياكم من جحيمه.
بهذا الشرح المبسط والقصير أردت أن أستهل الموضوع الذي وجدت نفسي مرغمًا على الحديث عنه، وهو الرؤية والمنظور المختلف للدنيا لدى مختلف البشر. فثمة من يرى الدنيا بأنها نطاق الحياة الوحيد فتجده يحرص عليها وعلى ملذاتها أيُّما حرص، والتسابق على متاع الدنيا والحروب التي اندلعت في تاريخ البشرية كلها ليست بالأمر الغريب وليست بالأمر الجديد، فكم سمعنا عن إخوة فرَّقهم حُبُّ الدنيا عن طريق المال، وكم من أصحاب فرَّقهم حُبُّ الدنيا عن طريق السمعة أو المنصب، بل كم من ابن رمى والديه في دار المسنين عندما طغى عليه حُبُّ الدنيا على حب الآخرة!
ويتفق معي كثيرون بأن حب الدنيا وإيثارها على حب الآخرة أمر منتشر وبصورة كبيرة بيننا، وهو أساس جميع المشاكل وجميع أنواع الفساد الذي نلحظه جميعًا في مجتمعاتنا، كالفساد الديني والسياسي والإداري والأخلاقي والمجتمعي وغيرها. فعندما ينشَلُّ تفكير الشخص بحيث لايرى أمامه إلا الدنيا فإنه حتمًا سيتمسك بها جيدًا ولن يكون للدين وللقِيَم والأخلاق والمعروف أي معنى لديه، فهو لايرى حياة غير حياة الدنيا، ولن يرضى بأن يقوم شيء بمنعه من الاستمتاع بها وبملذاتها أيًا كان هذا الشيء.
ومن هنا أقول إن من لو يوقن ومنذ نعومة أظافره بأن الدنيا ما هي إلا متاع ومتاع زائل سينغمس فيها وبوحلها دون دراية وتَبَصُّر بعاقبة ذلك.
وتمضي بنا الدنيا.. لاندري متى تنتهي، ولانعلم أسرارها المخفية ولانعلم الغيب الذي ينتظرنا، اجتزنا الكثير من العقبات والصعوبات ولانعلم القدْر الباقي منها، وتمضي بنا الدنيا، منا من يعيشها بهدف ومنا من يعيشها وهو لايدري ما غايته.
وتمضي بنا الدنيا ونحن لاندري إلى أين تقودنا، هل إلى حياة هنيئة طيبة وفي نعيم مقيم أم إلى حياة الجحيم والسعير. وتمضي بنا الدنيا مع أزواجنا وذرياتنا وانشغالاتنا التي لاتنتهي ونحن غافلون أن غايتنا فيها عبادة الله جل وعلا حين قال في كتابه الكريم “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”، وغافلون عن الهدف الأول في حياتنا في هذه الدنيا ومنشغلون بأمورنا الأخرى الثانوية وبأهداف دنيوية بحتة لاتسمن ولاتغْني من جوع.
وتمضي بنا الدنيا ونحن قد أضعنا أجمل أيام عمرنا (الفتوة والشباب) في السهر والمرح واللهو واللعب فقط، ولم نقف ولو للحظة واحدة لنستذكر فيها أننا خُلِقنا في هذه الدنيا لهدف سامٍ يقودنا لحياة أخرى أبدية، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
وتمضي بنا الدنيا ونحن لم ندرك بعدُ أنها محطة والكل يجب أن يحياها وكأنه عابر سبيل يأخذ ما يحتاجه منها ويدع الباقي، يتزود منها كيف يشاء لكي يَقوى على الطاعة والعبادة ولكن لايُفنِي جُلَّ وقته فيها فينسى محطته الرئيسية وغايته الكبرى.
لماذا نسوِّف في التوبة ونترك الأيام تمضي وتمضي ونحن لانعلم متى يحين أجلنا؟ فأجلنا آت لا محالة، طال الزمان أم قَصُر، وكلنا سنذوق الموت وعندها لن يكون هناك متسع من الوقت لتدارُك ما فات والاستعداد لِما هو آت، فلماذا تلهينا هذه الدنيا الزائلة الفانية عن الاستعداد للحياة الأبدية في الآخرة؟ لماذا نطمح للفوز في مسابقة أو جائزة دنيوية زائلة ولو كانت تقدَّر بمئات الملايين وننسى أو نغفل عن الفوز الأعظم كما قال الحق سبحانه وتعالى “كل نفس ذائقة الموت وإنما تُوَفون أجوركم يوم القيامة فمَن زُحْزِح عن النار وأُدخِل الجنة فقد فاز، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور”.
هذا هو الفوز الحقيقي فلاتكلمني عن الفوز في مباراة نهائية أو مسابقة عالمية أوبيت العمر أو مبلغ ضخم أو سيارة فخمة أو شهادة عليا، فكلها متاع وما عند الله خير وأبقى.
هذا كله لايعني بالضرورة أنْ نلغي دورنا في الدنيا وفي تعميرها، فهذه الأرض قد استخلفنا الله فيها كي نعيش فيها ونتزود بها كما أسلفت سابقًا، ووهبنا من نِعَمِه وأفضاله وخيره الكثير وسخر لنا الأرض وما عليها لخدمتنا، فعلينا أنْ نعيش فيها مطمئنين متسامحين متعاونين، ننشر الخير وننبذ الشر، نُعَمِّر ولانُدَمِّر، ننجز ولانقعد أو نتكاسل، ولكن يجب أن لاتكون غاية كل ذلك الدنيا فقط فيفوتنا الأجر العظيم، لذا علينا أن نستشعر دومًا وأبدًا أن كل عمل نقوم به في هذه الدنيا صَغُر أم كبر إنما نرجو به طاعة الله وامتثالاً للمهمة التي أوكلها إلينا فيها إلى أن نحط رحالنا في جنان الخلد بإذن الله.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com