مجازر ميانمار ومعايير العالم المزدوجة..!

16 عاماً مرت على الاستهلاك السياسي والإعلامي لكلمة (الإرهاب الإسلامي)، ذلك الاستهلاك الذي وصل ذروته عقب الربيع العربي وخاصة السوري منه، حيث تفكك وانهيار سيادة الحكومة في دمشق على أراضيها تلاه مباشرة إصابة العراق بذات العدوى ليصبح العراق وسوريا جسداً ضعيف المناعة أمام ما يدعى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).
ولاشك أن حادث 11 سبتمبر 2001 مَثّل نقطة تحول بالغ الخطورة ليس فقط على أرض الشرق الأوسط وإنما على المستوى العالمي، ومع تلاشى العدو السوفيتي كان ولابد من خلق عدو جديد ألا وهو (الإسلاميون).
وبدون استفاضة في خريطة الحركات الجهادية الإسلامية ومَن انشطر عن مَن، فثمة شرق أوسط جديد مفكك يحمل رايات أعلام دول جديدة مثل جنوب السودان وكردستان بات الطموح الأكبر لدى الإدارة الأميركية.
ميانمار.. الظل البعيد للإرهاب البوذي!
لكن.. 9 آلاف كيلومتر بعيدًا عن الشرق الأوسط، وفي صورة معكوسة، في ميانمار التي عاشت لقرون على أطراف الهوية الهندية، وتحت مطرقة الحكومات العسكرية الثقيلة، تواجه الأقلية المسلمة هناك أبشع صور الإرهاب الممارَس ضدها منذ 25 أغسطس الماضي وقبله.
هل هو إرهاب.. سؤال جذري يبحث عن إجابة لايمكن الوصول إليها في ظل سيطرة القوى الغربية على دوائر الأكاديمية والإعلام والسياسة العالمية، تلك السيطرة التي فرضت على العالم صيغة واحدة لتوصيف الإرهاب وزعم أن الزواج بينه وبين الإسلام زواجاً كاثوليكياً رغم كونه افتراء في زمن ترتكب فيه أمم أخرى لا علاقة لها بالإسلام جرائم تشتد ضراوة وإرهاباً.
أراكان في أقصى الشمال الغربي لهذا الدولة، وعلى حدود قاسية مع بنغلادش، عاشت الأقلية المسلمة (الروهينغا) على أرض امتلأت بالتناحرات الدينية مع جيرانهم البوذيين والهندوس مُستبعَدِين من حقوق المواطَنة كافة.
هذه المنطقة من العالم كانت امتداداً جيوسياسياً حيوياً للهند على مدى أكثر من ألف عام، ومع دخول الإسلام على يد العرب الفاتحين في الهند، هاجر إليها العرب وظلت تترنح في ظلال الحروب الضارية التي شهدتها الهند بين ممالك المغول المسلمين والممالك الهندوسية منذ القرن الرابع عشر.
ما يحدث اليوم من تصفية عرقية للمسلمين في ميانمار ليس بجديد، لكن عدد ضحاياه يمثل طفرة في الخلافات الطائفية بالهند وجيرانها البوذيين.
أكثر من 300 قرية مسلمة تم حرْقُها من إجمالي 578 قرية، أكثر من 800 ألف لاجىء نزحوا من تلك القرى هرباً لمعسكرات اللجوء في بنغلادش ومايزال عدد القتلى غير محدَّد حتى الآن، بل تلك الأعداد في تزايد يومياً.
والأهم هنا، رصْد خريطة رد الفعل العالمي تجاه ما يحدث هناك منذ ثلاثة شهور، فسنجد أن كافة تصريحات مسؤولي الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي والإعلام الغربي لاتستعمل على الإطلاق لفظ (الإرهابيين البوذيين) أسوة بـ(الإرهابيين الإسلاميين) مما يؤكد ازدواج المعايير في السياسات الغربية. نعم ممارسات وجرائم متطابقة في أراكان الميانمارية وبئر العبد بسيناء رغم المسافة الجغرافية الشاسعة بينهما، لكن المسمى المُستعمَل لمرتكبي جرائم الإرهاب في كليهما مختلفة تماماً.
ولتحليل ذلك، لابد من التفرقة بين ردود الأفعال داخل ميانمار وخارجها، ففي الداخل، تعمدت الزعيمة الميانمارية المدعوة أونغ سان سوتشي عكس الصورة تماماً بتصريحات في لقاء متلفز لها تؤكد على أن الجيش الميانماري يواجه حفنة من الإرهابيين في البلاد! وذلك بعد أن فشلت في نفى جرائم التصفية العرقية التي يرتكبها جنرالات الجيش ضد مسلمي الروهينغا والتي وصفته بالأخبار كاذبة، بل وذهبت لأبعد من ذلك وفق ما نشرته الاذاعة البريطانية باتهام مسؤولي الأمم المتحدة بنشر تلك الأكاذيب.
سوتشي تشغل الأن منصب مستشار لرئيس البلاد وهو يعادل منصب رئيس الوزراء وحائزة على جائزة نوبل للسلام عام 1991! وبعد تلك التصريحات، طالب الكثيرون سحب جائزة نوبل منها.
ولا أرى ذلك الموقف غريباً، فالزعيمة الميانمارية تنتمي للأغلبية البوذية التي تسيطر على مقاليد السلطة في العاصمة نايبيداو، لكن رد الفعل خارج ميانمار رغم اختلافه تماماً عن الداخل الميانماري الممتنع عن الاعتراف بجرائم الجيش إلا أنه لم يصف مرتكبي المجازر في أراكان بـ(إرهابيين بوذيين).
فعلى الصعيد الإعلامي، غطت كافة وسائل الإعلام الغربي مثل شبكة الـ(بي بي سي) و(سي إن إن) و(فرانس 24) ما يحدث في أراكان بدقة سواء في نوعية الجرائم أو أرقامها التي يصعب الوصول إليها لحظر الجيش الميانماري سفر الإعلاميين للقرى المنكوبة. لكنها لم تستعمل قط لفظ (الإرهاب البوذي) بل اقتصرت على وصف مرتكبي الجرائم ضد مسلمي أراكان بـ (قوات الجيش)، واستفاض بعضها في الممارسات المنتهِكة لحقوق الانسان داخل الجيش الميانماري مثل تجنيد الأطفال مقابل 40 دولاراً و(كيس أرز أو صفيحة بنزين) لأولياء أمورهم كما أوضحت صحيفة (الإندبندنت) البريطانية.
أما على الصعيد السياسي، فقد وصف بابا الفاتيكان يوم 26 أغسطس ما يحدث في ميانمار بالأخبار الحزينة! أما في أميركا فقد وصفها وزير خارجيتها تيلرسون يوم 14 سبتمبر بأحداث عنف! وهو نفس الوصف الذى استعمله الرئيس ترامب، لكن نائبه مايك بينس فضل استخدام لهجة أكثر حدة ليصف ما يحدث بالفوضى المهدِّدة للسلام في الإقليم.
فوضى وعنف.. هكذا نظر الغرب ساسة وإعلاماً لمجازر ميانمار التي دفعت أكثر من نصف مليون إنسان للنزوح مئات الكيلومترات سيراً على الأقدام إلى بنغلادش!
فمتى يُقلِع العالم عن إدمان مصطلح (الإرهاب الإسلامي) والمعايير المزدوجة.
سؤال اليوم قد تطرح إجابته واقعاً مغايراً غداً؟

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com