مستقبل المسجد الأقصى بين مطرقة الحفريات وسندان التقسيم!

شكلت قضية المسجد الأقصى وماتزال الحلقة المعقدة والعقبة الأساسية أمام أي حل سياسي للصراع مع (دولة) الاحتلال، فقضية الأقصى تتجاوز كل الحلول السياسية لأنها قضية عقدية بامتياز، فالأقصى قبلة المسلمين الأولى ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم. و(دولة) الاحتلال تعلم ماذا يعني الأقصى بالنسبة للمسلمين، لذا فهي تسعى إلى تكريس المفهوم الديني الخاص بها عن طريق التلبيس على العقول أن المسجد الأقصى يقوم مكان هيكلهم المزعوم، ولم تتوقف المخططات والانتهاكات (الإسرائيلية) للأقصى يومًا، فقضيته حاضرة في الذهن (الإسرائيلي).
ولما كانت فكرة هدم الأقصى بصورة مباشرة قضية مثيرة لمشاعر المسلمين والرأي العالمي فإن (دولة) الاحتلال لم تنفك تحاول بشتى الطرق السيطرة عليه سواء من خلال الحفريات أسفل وحول المسجد الأقصى، في محاولة لزعزعة جدرانه وأركانه، وبالتالي عند تعرضه لأي عامل طبيعي كزلزال أو ما شابه سينهدم لا سمح الله، أو من خلال المحاولات المتواصلة لتقسيمه زمنيًا ومكانيًا.
فبناء الهيكل المزعوم بالنسبة للمتدنيين اليهود قضية عقائدية لابد منها، لذلك فهم يسعون دائمًا لتكريس هذا المعنى، ويقومون في سبيل ذلك بالاستفزازات والاقتحامات المتكررة للأقصى، ولايخفى على أذهان المسلمن محاولة إحراق المسجد الأقصى التي برهنت على العقلية (الإسرائيلية) وكيفية تعاطيها مع مسألة المسجد الأقصى، فضلاً عن دخول (رئيس وزراء دولة الاحتلال) السابق المدعو أرئيل شارون في الثامن والعشرين من سبتمبر 2000 إلى الأقصى في محاولة لتكريس السيطرة (الإسرائيلية) على الأقصى، وهو منحى يسلكه ما يعرفون بالسياسيين اليهود ويهدفون إلى تقسيم الأقصى بين الفلسطينيين واليهود، على اعتبار أن ما تحت الأقصى لليهود وما فوقه للمسلمين!
وهو نفس المنطق الذي طرحه الرئيس الأميركي السابق بيل كلنتون على ياسر عرفات في محادثات كامب ديفيد الثانية؛ تمهيدًا للوصول إلى تسوية بين الطرفين، ويكون بذلك مصير المسجد الأقصى كالحرم الإبراهيمي في الخليل الذي تم تقسيمه بين الفلسطينيين واليهود. وكان مشروع كلنتون للسلام قد أشار في النقطة الرابعة منه فيما يتعلق بالمسجد الأقصى أن الحل يقوم على رقابة فعلية على الحرم، مع احترام معتقدات اليهود! وهناك اقتراحان: إما سيادة فلسطينية على الحرم، وسيادة (إسرائيلية) على حائط البراق، وسيادة على المجال المقدس لدى اليهود أي المسطَّح السفلي للحرم، أو سيادة فلسطينية على الحرم و(إسرائيلية) على البراق، وتقاسُم السيادة على مسألة الحفريات تحت الحرم وخلف حائط البراق. ومن المفارقات أن المدعو باراك (رئيس وزراء دولة الاحتلال) آنذاك رفض سيادة الفلسطينيين على المسجد الأقصى.
وأصبح من الواضح أكثر من أي وقت مضى أن مسألة التقسيم بدأت فعلاً، فـ(دولة الاحتلال) بنت كنيسًا يهوديًا ومتحفًا ومزارًا أسفل المسجد الأقصى المبارك، وخلقت مجالاً أمنيًا إلكترونياً قائماً على شبكة من الكاميرات وأجهزة الرؤية والمجسَّات الحرارية التي تسمح بمراقبة دقيقة للمسجد الأقصى، وتدخلت في عمليات ترميم الأقصى وأتمت أعمالاً إنشائية لوصل ساحة البراق والذي تسميه (المبكى)، مكان تعَبُّد اليهود بالمسجد مباشرة من خلال جسر يصلها بباب المغاربة، وافتتحت مواقع سياحية لتواجد (الإسرائيليين) في الحفريات أسفل المسجد الأقصى، كما اعتبرت بلدية الاحتلال ساحات الأقصى ساحات عامة، وأن المسلمين لايملكون سوى مبنى المسجد ومبنى قبة الصخرة، مع العلم أن المسجد الأقصى يبدأ من أبوابه الخارجية ويضم جدرانه و144 دونمًأ بينها. كما قامت (دولة الاحتلال) على مدى أكثر من عشرين سنة بحفر أنفاق مختلفة الأطوال من غرب المسجد الأقصى المبارك أي من حائط البراق ومن داخل المدينة المقدسة من جهة الشمال الغربي إضافة إلى الأنفاق التي تم الكشف عنها من جهة الشرق من حي سلوان.
وتقوم بعض مؤسسات السماسرة مثل المؤسستين الموسومتين (إلعاد) و(عطريت كوهنيم) بشراء العقارات والمباني حول المسجد الأقصى، بالإضافة إلى استيلاء اليهود على منازل عدد من الفلسطينيين منذ عام 1967 بحجة أنها أملاك غائبين، فضلاً عن المحاولات (الإسرائيلية) المتكررة لنسف المسجد الأقصى بالمتفجرات أو عن طريق القصف بالطائرات على غرار محاولة إحراق المسجد الأقصى التي ضاع فاعلها.
وهكذا يبدو لنا جليًا أن المسجد الأقصى يرسم في أفقه حلَّين في العقل (الإسرائيلي): الأول يقوم من خلال استمرار الحفريات حول الأقصى ومن أسفله لضعضعة جدرانه وأساساته بانتظار انهياره طبيعيًا، والحل الثاني يقوم على تقسيم المسجد الأقصى بين اليهود والفلسطينيين، والسماح لليهود بممارسة طقوسهم الدينية بحرية على غرار الواقع الذي فرضته (دولة الاحتلال) على الحرم الإبراهيمي في الخليل، وبدأت سلطات الاحتلال بتطبيقه فعلاً.
إذاً، قضية المسجد الأقصى حاضرة بقوة لدى العقلين الفلسطيني واليهودي لأنها تمثل لهما عقيدة، وإنْ كانت الوقائع والحقائق تُظهِر بوضوح زيف الدعوى اليهودية الكاذبة.

* مدير الإعلام في مؤسسة القدس الدولية

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com