مشكلتنا مع الفن.. “تحملوني شوي”

ترددت كثيراً عن الكتابة في هذا الموضوع لانتمائي لعالم الفن، فلم أرد أن يتصور أحد أنني أتكلم عن حالي لذلك أقول الضمير “نا” في العنوان “مشكلتنا” قصدت به كل من عاش حياته في محاضن القرآن الكريم والعلم الشرعي والدعوة الإسلامية، ولن أستثني منها حتى نفسي، لكي لايظن أحد أني أوجِّه إصبع الاتهام لأي طرف من الناس أياً كانوا.
السؤال: هل عندنا بالفعل مشكلة مع الفن؟ أتوقع أن يكون الرد من الكثيرين لا طبعاً. بل وسيتشدق كثير منهم بجمال الفن وبضرورته لإبراز صورة الإسلام الناصعة وبعْث روح الهمة عند الشباب، وكذلك مواكبة وسائل العصر التي لاتستغني عن الفن الذي ولج كل مجال وخصوصاً الإعلام؛ لتوصيل الرسائل ذوات المضامين المختلفة. ولكن هل هذه هي الحقيقة في ممارسات هؤلاء الذين يقولون هذا الكلام أنفسهم؟ أترك الحكم للمهتمين والمتابعين كي يردوا.
في محاضرته القيِّمة في مؤتمر الإصلاح الأخير الذي عقد خلال شهر يناير الماضي اعترف الشيخ الدكتور عصام البشير بأننا نحن من ارتضينا التخلف في مجال الفن والإعلام؛ بسبب أننا كنا – ومايزال الكثير منا – يضيِّق مساحة الفن بدواعي الأخذ بالأحوط ومخافة الوقوع في المحذور، فحرَّمنا الكثير من الأمور التي لا غنى للفن عنها. ودلل الشيخ عصام على سبيل المثال تَخَلُّفنا الواضح في موضوع السينما وكيف بات أعداء الدين يوظفونها في فيلم في أقل من ساعتين قد يهدم ما يبنيه الدعاة في سنوات طوال.
أليست الفضيلة أولى بالفن من الرذيلة؟ ولماذا يربط الدعاة الفن والموسيقى بالرذيلة؟ أليسوا أولى بالأخذ بالفنون لتوصيل ما عندهم من الخير الكبير الذي ينتظر العالم أن يبشروا به؟
ترى بعضهم مثلاً يأخذ من الشيخ العلاَّمة يوسف القرضاوي كل آرائه ويتبنى منهجه الوَسَطِي في الفكر والفقه والدعوة، فحين يقول الشيخ بجواز الموسيقى مثلاً ويدلل على ذلك تجد بعضاً ممن يتبعه – وليس مخالفيه – من يقول بكل صفاقة “في هذي عاد الشيخ خارها” وقد سمعتها بأذني منهم، وكأن الشيخ العلاَّمة أطال الله في عمره يقول كلاماً من هواه وليس بالدليل والاجتهاد.
والأمر في الحقيقة أنهم هم من يريدون كلاماً من الشيخ يناسب هواهم. ولست هنا بصدد إلزام الجميع برأي الشيخ البشير أو الشيخ القرضاوي أو غيرهم، فكل يأخذ ما يريد ولانحجر على أحد. ولكن لماذا التعصب ومهاجمة الآخرين وخصوصاً الشباب دون النظر في حالهم العاطفي أو حاجاتهم النفسية؟ ومتى سننطلق في ميادين الفن ونتحرر من أغلال قيَّدْنا أنفسنا بها ليست بالضرورة من أمر الدين ولا حتى الورع في شيء؟
أخ فاضل أكنُّ له كل الاحترام والتقدير يملك قلماً يقرأ له الكثيرون وتراه ينتقد الفن المعاصر ويتباكى على النشيد أيام الدعوة الإسلامية، وفي المقابل ينتقد بكل قساوة الفن الذي يمارسه من نتوسم فيهم الخير هذه الأيام من الشباب، وخصوصاً أولئك الذين صاروا يعتمدون العمل بمنهج جديد يناسبهم ولم يبتدعوا بل قد وجدوا ضالتهم في آراء المشايخ أمثال البشير والقرضاوي وغيرهم، دون النظر لأفكارنا نحن التي حبسنا أنفسنا فيها فقط لأننا عشنا فترة غير فترتهم.
لو أسمتعهم أناشيد الدعوة التي كنا نطرب لها لما وجدتهم يستسيغونها ولاتستطيع لومهم على ذلك. كما في الفن الماجن هل تستطيع أن تقول لمن يطرب لهذا أو ذاك دعه عنك وعليك بفلان الذي لايعرفه؟!
أما في موضوع السينما التي ذكرها الشيخ البشير كمثال صارخ على تخلفنا فليس كل ما فيها قبيح أو ضرْب من الرذيلة وإنْ كان الغث اليوم أكثر من السمين، فهناك من الأفلام ما يحفز الفكر وقد تكون أفلاماً عائلية جميلة وشيقة. ولكن ما تراه من التناقض عند البعض حين يقول لك أنا لا أذهب للسينما لأنها شبهة ولكني إذا كنت خارج البلاد أذهب مع أولادي! وقد سمعت هذا الكلام من أكثر من شخص. فبالله هل هذا نهج نتعبد الله به أم نظرات اجتماعية واعتبارات أخرى ليست من الدين؟ أذكر مرة من باب الدعابة أني أجبرت أحد إخواني على الدخول معي للسينما لمشاهدة فيلم كرتوني للصغار فقبل على مضض، فلما دخل مبنى السينما لاحظته يدخل دخول اللص واضعاً اللثام على وجهه بغترته!
بهذه الأعمال والممارسات كيف نريد أن نلحق بركب التقدم ونخدم هذا الدين بالفن والإعلام كما ينادي الدكتور البشير وكما نادى من قبله الشيخ القرضاوي منذ أن طبع كتابه (الحلال والحرام في الإسلام) قرابة خمسين عاماً؟
أقول لمن يأبى إلا أن يضع عصاه في دولاب الفن الذي يُقبِل عليه الشباب بالله عليك رفقاً بهم وقل خيراً وقدم البديل وانصح باختيار الكلمات الأفضل ووجِّه وبيِّن بدلاً من الانتقاد اللاذع الذي لايبني عشاً بل يهدم بيوتاً من الفن نتوسم في جيل الشباب أن يقتحمها ويتسَيَّد فيها كي يقول للعالم ما عجزنا عن قوله نحن منذ سنين عديدة.

خدمة إيقاظ:

“يسعنا في الفن الأخذ بالرُّخص ومن أراد أن يأخذ بالعزائم فعليه بمجالات أخرى غير الفن والإعلام”. الدكتور عصام بن أحمد البشير.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com