منبر النور.. بصيرة ووفاء وجهاد

في صباح الخميس 7 من جمادى الآخرة 1389هـ، الموافق 21/8/1969م، قام المجرم الأسترالي الصهيوني المدعو دينيس مايكل روهان بإشعال حريق في المسجد الأقصى المبارك، فأتت النيران على أجزاء كبيرة من المسجد المبارك. لقد أحرق سادة الإرهاب في العالم المسجد الأقصى، وجُرْح احتلال المدينة مازال رطبًا قانيًا، فنُكئت جراح المكلومين الذين شاهدوا قطعان الرعاع تدوس ثرى القدس، ثم شاهدوا بقلوبٍ تفريها اللوعة، نيران الحقد الصهيوني، تأكل قبلة القلوب، ومعراج الروح.
لقد كُتب عن هذه الحادثة الكثير، عن حيثياتها وتفاصيلها، وممارسات المحتل خلالها، وعن المجرم المرتكب لها، ما خلفياته، وكيف عامله الاحتلال، وأكثر من ذلك بكثير. لكنني سأتكلم عن جانبٍ آخر مختلف، أنطلق من زاويةٍ غائرة في تاريخ المدينة وقبس حضاري فذ، وصورةٍ سامية من بصيرة بطل ووفاء آخر، وتاريخ مُلىء جهادًا وعملاً وتضحية، وسلسلة ذهبية من العظماء بذلوا الغالي والنفيس، حتى وصل الشوق بهم إلى احتفاظهم بابتساماتهم خجلاً من القدس، وهي قابعة في الأسر مسربلةٌ بقيد الاحتلال.
خلال الحريق عرقل الاحتلال محاولات إطفاء الأتون المشتعل، وقطع المياه عن المسجد الأقصى، حتى طال الحريق أجزاءً واسعةً منه أهمها ثلاثة أروقة من المصلى القبلي، وما في هذه المساحة من الأعمدة والأقواس وبدائع الزخارف والنقوش الإسلامية الفريدة، كما سقطت أجزاء من سقف المسجد، واحترقت القبة الخشبية الداخلية ومعها اختفت روائع من الزخارف الملونة ونقوش هندسية بديعة التركيب والشكل.
ولم تقف الخسارة عند هذا الحد فقد أتت النيران على ثماني وأربعين نافذة ملونة، مصنوعة من الخشب والجص والزجاج الملون، إضافةً إلى السجاد والأعمدة والجسور الخشبية، وغيرها مما يحتويه المسجد الأقصى من تحف معمارية ونوادر في الكتابة والخط والفسيفساء.
أمام هذه الخسارة الفادحة لأجزاء كبيرة ومهمة من المصلى القبلي في الأقصى، سُجِّلت خسارة معنوية أخرى، لمَعْلَمٍ جليل حمل أمل المسلمين بأنهم عائدون للقدس، كرَّة أخرى. فقد قضت النيران على منبر الملك العادل نور الدين محمود زنكي الشهيد (المتوفى عام 569هـ)، والذي يُعرف بين الناس بمنبر صلاح الدين، نسبة للملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب (المتوفى عام 589هـ) لأنه هو الذي وضعه في الأقصى، ولم يبقَ من المنبر بعد الحريق سوى قطعٍ قليلة، تم وضعها في المتحف الإسلامي بالمسجد الأقصى.
تسلم نور الدين راية جهاد الصليبيين من أبيه عماد الدين زنكي (المتوفى عام 541هـ)، وقد عمل على توحيد بلاد الشام في إطار جمع الجهود الإسلامية، وحشد مختلف الطاقات لمواجهة العدو المحتل، وكان رحمه الله شجاعًا عالمًا بعيد النظر، حيث تيقن من أن القدس ستحرَّر بإذن الله، وأن قطاف الجهد أضحى دانيًا. ففي عام 564هـ أمر “أن يُصنع منبر لبيت الله المقدس، ولبى الرجل ما ندب له وبذل النجارون الصُّنَّاع في صناعته سنين وأبدعوا في تركيبه الإحكام والتزيين”، وجمع نور الدين رحمه الله لهذا المنبر أمهر الصناع، ليبدعوا تحفةً رائعةً وأثرًا خالدًا، لا ليناسب السلطان وملكه فقد عُرف عنه التواضع الجمّ، بل ليتناسب مع مكانة ومقام المسجد الأقصى.
بدأ الصُنَّاع العمل على بناء المنبر في حلب، قبل تحرير الأقصى بتسعة عشر عامًا، وقد استخدم في صناعته أجود وأفضل أنواع الخشب المتوافرة، من شجر الأرز والأبنوس، وكان الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة والجماليات الصغيرة سمةً للعمل، ورُبطت أجزاء المنبر بمسامير خشبية، كما استخدم الحرفيون أسلوب التعشيق، لكي لاتشوِّه مسامير الحديد مظهر الخشب المتجانس، وطُعِّمت أجزاء المنبر بالصدف والعاج.
ومع هذه الإرادة في الإعداد المسبق لمنبر التحرير، لم يرَ الملك العادل منبره في رحاب الأقصى، فقد توفي عام 569هـ قبل تحرير المدينة بزمن، ليتابع صلاح الدين رحمه الله قيادة الجهاد من بعده، وقد أورد أهل التاريخ بأن نور الدين رحمه الله نذر أن يُحمل ذلك المنبر إلى المسجد الأقصى بعد تحريره.
وواصل صلاح الدين الإعداد لتحرير القدس الشريف، وبعد انتصاره المدوي في معركة حطين، أصبح الفتح قاب قوسين، حتى أذِن الله تعالى في السابع والعشرين من شهر رجب سنة 583هـ، ففتحت المدينة بعد حصارٍ طويل، وظهرت أخلاق المسلمين في صورةٍ من أروع صور التاريخ، وشرع صلاح الدين في عمارة الأقصى وإزالة ما استحدثه الصليبيون الفرنجة من إضافات على المسجد المبارك، و”أمر بالوفاء بالنذر النوري، ونقل المنبر، الذي بناه نور الدين ليضعه في المسجد الأقصى، إلى موضعه القدسي، فعُرفت بذلك كرامات نور الدين التي أشرق نورها بعده بسنين، وكان من المحسنين الذين قال الله فيهم “وَٱللهُ يُحِبُّ ٱلمحسنين” آل عمران 134. بحسب عبارة عماد الدين الأصفهاني (المتوفى عام 597هـ).
وكان المنبر يتكون من ثلاثة أقسام: مدخل يُتَوِّجُه رفرف مقرنص، ودرج، ومنصة مغطاة بجوسق. ومع هذه العناصر الجمالية الرائعة، تمتع المنبر بزخارف نباتية وهندسية بديعة التركيب والتنفيذ، كما احتوى على أطباقٍ نجمية متراصة، يشكل كل طبقٍ منها وحدة زخرفية كاملة تتكامل مع الوحدات المحيطة لتشكل نسيجًا زخرفيًا جميلاً. كما يحتوي المنبر على كتابات دالَّة عن بناء المنبر بأمرٍ من نور الدين رحمه الله، وبعض الآيات القرآنية، كما سجل الصُنَّاع أسماءهم على المنبر في خطوة نادرة الحدوث في العمارة الإسلامية، وهي تدل على استشعارهم أهمية ما يقومون به، ومشاركتهم في التحرير القادم.
فأي إرادةٍ لتحرير القدس تلك، وأي يقينٍ انطلق منه نور الدين رحمه الله، ففي الحديث عن تحرير القدس، يكثر الكلام عن الإعداد المادي والعسكري، عن القوة والجند، عن البلاد المفتوحة وحسابات الحرب، ولكن إعداد نور الدين لتلك اللحظة شمل جوانب أخرى، وبلغ درجةً نادرةً من الإتقان واستشراف مآلات الأحداث وتطوراتها، هذه النظرة البعيدة وهذه الكرامة حيث نظر للقدس بعين بصيرته، وأيقن بأن الأسباب التي اتخذها لتحرير المدينة من الصليبيين الإفرنج ستثمر لا محالة، فكان المنبر تجسيدًا لهذا اليقين، ونذره بأن يوضع في المسجد الأقصى، تجلية عملية لذلك. وأي برٍّ ذاك من صلاح الدين يوسف، فقد أنفذ وصية سلفه مع كل ما خاضه من معارك وحروب، والانهماك الشديد بإعداد الخطط وسياسة أمر الناس، فلم يشغله الحصار والمفاوضات مع الفرنجة الغزاة عن هدف وضعه الجيل الأول لتطهير المسجد الأقصى من التزييف والطمس، فلَعمري كأن شخصياتهم اشتقت من أسمائهم فهم بين نور الحق وصلاح الناس.
وهذه بعض الدلالات المهمة نستنبطها من هذا الحدث التاريخي المهم:
- لم يكن تحرير القدس ثمرة جهد فردي، أو عمل بطلٍ هبط على الأرض فجأة، بل هو نتاج جهود عظيمة وأجيال متتابعة، وحركة إصلاحية شملت العلوم والحكم والسياسة والمدارس، حتى أخرجت للناس جيلاً استحق النصر بعد سنوات التضييع، وبناء المنبر صورة من هذا الإعداد.
- أهمية المعركة النفسية مع المحتل، فبناء المنبر كان جزءًا من الحشد المعنوي مقابل المحتلين، ورسالة بأن التحرير قادم بإذن الله.
- مع معاناة المناطق المحتلة والساحل الشامي من الصليبيين الفرنجة، بقيت القدس في جوهر اهتمام القادة، وصبوا اهتمامهم عليها، وصوبوا تجاهها جحافل المؤمنين عندما سنحت الفرصة لذلك.
- لم يتعجل قادة المسلمين التحرير مباشرة، بل سبقته سنون طويلة من العمل الدؤوب المضني، في تراكم للإنجازات وصبرٍ على المراحل، ليصبح التحرير أمرًا لاشك فيه بعد الأخذ بالأسباب.
- وفاء صلاح الدين لنَذْر نور الدين رحمهما الله، تأكيدٌ عملي بعدم استئثار قادة الجهاد بالحكم، وبأن الهدف الأساسي هو التحرير، فتضافرت الجهود وتابع أحدهما ما بناه الآخر، في نسق حضاري وعملي فذّ.

* باحث في مؤسسة القدس الدولية

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com