منير الغضبان: فقيه السِّيرة وطيِّبُ المَسيرة

قبل عشرين عاماً وفي المعتكف بمكة المكرمة، كانت العشر الأواخر من رمضان مختلفة، لأن جاري كان أحد العلماء المبرَّزين في السيرة والفكر والتاريخ، إنه د. منير الغضبان. كنت أختلس لحظات قليلة بحكم أجواء العشر للسلام عليه والجلوس معه، وأذهلني حاله حتى في هذه العشر، وهو يقرأ القرآن، ثم يشتغل وهو على سجادته بتأليف كتاب ضخم يود إنجازه في هذه الأيام المباركة.
وأنا ألحظ المصادر حوله، وعشرات الأوراق التي يكتب فيها، أدركت بالتطبيق العملي عِشْق هذا الرجل للكتابة، والإتقان والتنوع؛ لتكون مرصداً لأُولِي العلم والوعي.
ودارت الأيام دورتها، وبينما كان يُدرِّس في معهد مكة المكرمة مادة التاريخ استأذنته في طباعة كتابه (سيرة الخلافة الراشدة)؛ وعند تسلمي النسخة الأصلية في قرابة (500) صفحة بخط يده، مع مقاطع في صفحات مصورة، علمت أكثر مدى الجهد المعرفي، والحفر المنهجي في كتاباته.
وأنا أشهد على كثرة اتصالاتي به، أن لديه قدرة فائقة على تحليل وتحقيق المهم من مواقف التاريخ الشائكة، واستحضاره استحضار العاشق لتفصيلاتها.
إن العالم الجليل د. منير الغضبان الذي وافته المنية ظهر يوم الأحد 3/8/1435هـ، كان معلماً بارزاً، بل موقع الصدارة المعاصرة في الكتابة المؤصِّلة والمنهجية والمتنوعة عن السيرة النبوية خصوصاً، ومراحل مفصلية في التاريخ الإسلامي عموماً، وتاريخ الشأن السوري بصفة استثنائية.
ولا غرو أن يكرمه سلطان بروناي في جائزة السيرة النبوية، على قدر العطاء الثَّرِّ الذي قدمه، ونال به إعجاب ومتابعة القراء والمهتمين في كل العالم من أقصاه إلى أقصاه.
إنني لا أكاد ألتقيه كل بضعة أشهر، أو أسمع صوته إبان سفره في الإجازات إلا ويخبرني عن جديد سيصدِره، مما يعيد لنا الأمل والثقة في أثر ما نقرأ أو يُكتب لنا.
ورغم ذيوع مؤلفاته العميقة في السيرة والتاريخ، إلا أن عالِمنا الجليل كتب أيضاً بإبداع وتفَنُّن ووعي تام، عن المرأة، والشباب، والفكر المعاصر.
نعم لم يكن يُكثِر التحليل في عدد من المَواطن، لكنه كان يكتفي بسبْر كتب التراث والفكر المعاصر، وبما يوصل أهم النصوص، وأعمق المعاني.
ولو أردنا أن نقرأَ له منطق الرد والتحليل والمحاججة رغم بعدها عن شخصيته الباشَّة الهانئة الوادعة؛ فثمة ما يكفي، ولعل من أجلاها رده المؤصَّل المهذَّب على الأستاذ الدكتور محمد المختار الشنقيطي في كتابه (الخلافات السياسية بين الصحابة).
ورغم انشغال د. منير الغضبان بهموم أمته، ووطنه الأهم سوريا، إلا أن بث روح الدعوة، وتأهيل أصحابها، كانت شغله الشاغل. فلم ينزو عن عمله الدعوي الواضح، ولم يشغله التنظير عن التفكير.
وفي الأزمة التي حصلت بين (السعودية) و(الحوثيين)، قبل عدة سنوات، ردَّ على بيان (الإخوان المسلمين) في مصر، ببيان مثَّل (الإخوان المسلمين) في سوريا؛ لأنه وجد أن البيان المصري به خلل، وغير واضح، مما جعل السلطة السعودية تقدِّر هذا الاستيعاب والموقف.
وإبَّان الأزمة السورية وفي بداية حركتها، سمعت من مسؤول سياسي رفيع في السعودية أن السلطة السورية طلبت تسليم عدد من رموز الإخوان السوريين المقيمين في السعودية، ومن أوائلهم د. منير الغضبان، إلا أن السلطة السعودية لم تفعل ذلك، وقدَّرت التاريخ الطويل الذي كان من الشيخ وأمثاله ممن علَّم الأجيال في البلد، وأسهم في العملية التربوية في كل مجالاتها.
ورغم التوتر بين فترة وأخرى إلا أنني آمنت بحفظ الله تعالى لهذه الكوكبة المؤمنة، ورعايته لمسيرتهم العطرة في سبيل الهدى والخير والنور.
ولابد للجيل المسلم أن يقرأ السيرة المختصرة الرائعة (كشف المستور.. أفكاري التي أحيا من أجلها)، وهي خلاصة لحياة عالِمنا الجليل بخط يده، والتي أراها تعبِّر – بحكم معرفتي به – عن طبيعته ومواقفه الفكرية والسياسية والدعوية والأخلاقية، التي تجسد في كثير منها، مضامين القيم والمبادىء التي آمن بها، وسمات الوعي والتوازن والإشراق التي عُرِف بها.
وفي واحدة من الصفحات المشرقة التي أضاء بها د. منير مَن حوله، صفحة عن الأسلوب البديع الذي كان يقوم به أثناء التدريس بالمعهد؛ حيث كانت تدمع عيناه في الدروس، مما جعل لهذه العاطفة الحارة أكبر الأثر في نفوس الطلاب. وكم تجتاحني الحسرة على فوات هذا النوع من العلماء المربين، الذين جمعوا بين عاطفة الروح، وعمق المنهج.
ونفسية د. منير كبيرة وواسعة؛ فكم من مرة حوى طلابه الباحثين في الدراسات العليا، وأحسن في تواصله معهم ما استطاع. وكان من أجمل ذلك مشاهدته على منصة الإشراف والمناقشة في جامعة مكة المكرمة المفتوحة، وآخرها رسالة (أخلاق الحرب في السيرة النبوية) التي شارك في مناقشتها د. عبدالرحمن السديس إمام الحرم المكي الشريف، الذي أشاد بأستاذية د. منير، وعُلُو كعبه التخصصي، وخُلقه الذي شمل بمحبة ورحمة الطلاب الباحثين والدارسين المهتمين.
ومن صور رحمته ولطفه أنني كنت معه منذ خمسة عشر عاماً تقريباً في رحلة للحج، ولما وصلنا إلى مزدلفة، ونزلنا للاستعداد لصلاة المغرب والعشاء، فقدَ زوجته حفظها الله مع الزحام؛ فكان صوته المخنوق، ودموعه المتجمعة في عينه، أكبر رسالة وأبلغ موقف عن شعوره في غيابها لدقائق!
إن عالِمنا الفقيد بحاجة إلى كتابات مطوَّلة عنه، ودراسات منهجية مؤصلة في عدة مجالات عن حياته وتجربته وعلمه ومؤلفاته.
وبعد؛ فها نحن نطوي صفحة من صفحات عالِم من علماء الأمة، وداعية من كبار دعاتها، ومفكر مِن أوعى مفكريها، ومؤرخ من أعمق مؤرخيها.
غادر الدنيا بسعتها وثقل همومها، غادرها وقد حمل من الأعباء ما تنوء بحمله الجبال الثقال، وقاسى من الآلام ما لاتتحمله إلا النفوس التي قوَّاها الله تعالى، وأمدَّها بالصبر والرحمة. غادرها وخَفْقُ قلبه وحديثُ نفسه عن سوريا، وعاصمتها الأشم دمشق، التي ناجاها يوماً فقال:
“دمشق هذه التي أُكبِرها عقيدة، وأعشقها موطناً، والتي حُرِمْتُها منذ ثلاثين عاماً.
أبحث عنك بحْثَ العاشق الوَلِه مع إطلالة كل صباح، وتسبيحة كل طير, وتكبير كل روض.
أين أنت يا دمشق, ياحبيبة الملايين, وملايين الملايين, يوم كنت سيدة الدنيا، تحكمين الأرض من مسجدك الأموي. والصين التي هي اليوم خُمس الأرض وأكثر، كانت تخطب ودك, يوم وضعت قدم ابنك ابن القاسم الثقفي في أقصي الشرق, في السند والهند، وقدم ابنك الآخر موسى بن نصير في قلب إسبانيا، يوم كانت الأرض تأتمر بأمرك.
لقد طالبنا بعودة الحرية، والهوية المفقودة.. لقد طالبنا بذلك ياحبيبة القلب، ولسنا نادمين على ذلك. ففي سبيل الله ما لقينا، ولن يضيرنا العمر كله نمضيه بعيداً عنك. وفي كل ذرة دم من دمائنا لوعة لفراقك, وشوق إليك, مقابل أن يعود إليك وجهك الإسلامي, وتبقين منارة الإسلام والعروبة”.
رحم الله فقيدنا، وجمع الله الجامعُ بمنِّه وكرمه أحرار الشام على خير، وتقبَّل جهادهم وشهداءهم.
وعوَّض الله تعالى الأمة عنه خيراً، وجزاه عن عطائه ومسيرته أجراً إلى يوم الدِّين.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com