من رسائل الغيب المشفرة: المعراج المعرفي

لايختلف اثنان على أنه اذا لم يكن هناك ترَقٍّ ومعراج في أي نوع من أنواع السير سواء كان روحياً أو معرفياً أو جسدياً فلا حراك أو تقدم. لذلك فلاشك أن المسلمين اليوم هم في أشد الأوقات اضطراراً الى طرح السؤال المؤرق على أنفسهم: لماذا لم يتقدموا قيد أنملة في سيرهم في فهم النص الديني وإنْ ظهر لهم العكس.
ولقد ترك الرسول الأكرم صلوات الله وسلامه عليه وصية شكلت غصة في حلقه كان بوده إتيانها لولا خوفه على قومه الذين كانوا حديثي عهد بالجاهلية من أن يكون ذلك سبباً في رِدَّتهم لاسيما وأنه سبق لبعضهم أن ارتدوا فعلاً بسبب حادثة الإسراء والمعراج، التي شكلت اختباراً كبيراً لتصديق المسلمين لنبيهم، ففاز أبوبكر رضي الله عنه بقَصَب السَّبْق في التصديق بصاحبه عليه أفضل الصلاة والسلام. تلك الوصية هي التي أوردها مسلم في صحيحه (عن عائشة. قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: لولا حداثة عهد قومك بالكفر، لنقضت الكعبة، ولجعلتها على أساس إبراهيم. فإن قريشاً، حين بنت البيت، استقصرت. ولجعلت لها خلفاً».
يقصد أن قريشاً اقتصرت في بنائها على هذا القدر لعدم الكفاية المالية آنذاك لإتمامها، ولجَعَل بها باباً خلفياً، فتلك الأمنية شكلت غصة في حلق رسول الله صلى الله عليه وسلم لولا أن المصلحة العليا للمسلمين آنذاك كانت تقتضي الحفاظ على دينهم وتأليف قلوبهم؛ لأنهم حديثو عهد بالجاهلية.
لكن التساؤل الكبير الذي يؤرق الباحث: لماذا وقد توالت كل هاته السنين وكثُر المال الحلال الذي يمكن أن تجنيه أمة الإسلام من البترول مثلاً ولم يفكر أحد أو مؤسسة بتحقيق تلك الأمنية لأحب الخلق لهم ولله سبحانه وتعالى.
لقد انشغل المسلمون اليوم بالتفاهات من المهاترات الفكرية والسياسية والثقافية التي تُبتكَر من غيرهم لإلهائهم بها، ويكفينا فتْح أية جريدة أو مجلة أو مذياع وغيرها من وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، واستقراء المشترَك المكرَّر بين هاته الوسائل الإعلامية لاستنتاج ذلك الاتفاق العجيب في بعض الخطابات من أناس لايتفقون غالباً بل لايتفقون أبداً، وليس ذاك إلا مدعاة للتأمل والتساؤل الكبيرين.
حبذا لو تجاوز المسلمون في قراءاتهم للنصوص الدينية ظواهرها إلى بواطنها، فما كلمة الوحي «اقرأ» إلا أمر بالانطلاق في معراج معرفي ينبغي أن يتجاوز نطاق سبع سموات معرفية تحجب العقل عن الحكيم وحكمته وعن سدرة منتهى المعارف، فمعراج روحي للمسلم بفضل براق صَلاته خمس مرات ينبغي مصاحبته بمعراج فكري عبر بُراق التأمل والتفكر؛ حتى يتناغم المسلم مع نفسه، أما حين لايفتر المسلم من الصلوات دون تدبر أو تأمل، فسيكون أمره كأمر ذلك الطفل الذي لايتدبر في حاله والمقصود من ذهابه للمدارس فيرجع في آخر مشواره بخفي حنين.
لقد بنى المسلمون من شدة خوفهم على دينهم أسواراً وأسواراً من الجهل والقوانين الجافة التي كانت صالحة لزمن من الأزمان ولأناس معينين. ولعدم معرفتهم بالسياقات المناسبة والنظريات الحديثة في دراسة تنزيل الخطاب على الواقع يصدم العديد من شباب اليوم بواقع متقدم غربي فارغ من الروح ممتلىء بالعقلانية المنوَّرة بضياء قمر العقل، والمغيَّبة عن نور شمس الوحي، لذلك كان خطابها موهماً للشباب بتمَلُّك الحقيقة، وإن تمَلَّكَها تحت نور خافت، في حين إن شباب المسلمين إنْ هم نفضوا غبار الغفلة عن بصيرة قلوبهم بملازمة واحات التوحيد من المساجد وتكرار كلمة التوحيد «لا إله إلا الله» التي هي صقَّالة للقلوب في تواز مع قراءة كل ما وصل إلى أيديهم من كتب علمية أو روائية أو قصصية لنمُّوا معرفتهم واستفادوا من حضاراتهم وحضارات الأمم الأخرى دون تطرف أو تشدد أو تزمت.
ما أحوج الأمة اليوم إلى قراءة كل رموز هذا الدين الحنيف الذي فيه إثارة كبيرة لشرارة الذكاء الروحي المبثوث في كل كائن حي «وعلَّم آدم الأسماء كلها»، حيث إن أول كائن حي غُرِست فيه كل ميكانيزمات (الحياة) سواء الروحية أو الفكرية أو الجسدية ما عليه إلا قراءة تشفيرها، لذلك كان أول الإسلام وضوءاً أكبر حتى قبل الشهادتين، وما ذاك إلا اغتسال من كل فهم سابق إلا ما سيأتي للمسلم بعد أن يسطع في قلبه نور شمس الوحي، حيث إن الإسلام لاينفي بصيرة الحضارات الأخرى وإنما يمتثلها كمن يرى الأشياء تحت ضوء القمر، فهو بذلك يرى الحقيقة بمستوى معين، لكن الأمر يتسع وضوحاً بمقدار سطوع شمس الوحي في القلب.
ولذلك كانت المحجة البيضاء (الإسلام) ليلها كنهارها، ذلك أنهما مضاءان كلاهما بضياء قمر العقل ونور شمس الوحي (القرآن والسنة).

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com