من سيدفع فاتورة 2015..؟

لو أخذنا صورة استعراضية (بانورامية) على عام 2014، لازدحمت صور عدة أقلها مبهج وأكثرها مقلق ومحزن.
ففي فلسطين – قضية المسلمين الأولى – التي حملت فاتورتها المزيد من الشهداء والمرضى، وإعادة البنية المهدَّمة في كل قطاع غزة، إضافة إلى الآثار الاجتماعية والاقتصادية، وكارثية الحصار والرواتب؛ فإن كل ذلك وسَّع طلبات الفواتير، وقلب حسابات التفكير. وفاتورة 2014 ستُرَحَّل إلى 2015.
وظاهر الحل بخصوص غزة سيفضي على ما يبدو إلى تفاهمات جديدة مع إيران، وهدوء مع مصر، والسعي لتفاهمات أوسع وأرق مع الدول الخليجية للتحرك في استثمار العلاقات؛ لأنه كما يبدو أن ملف المصالحة الفلسطينية وتبعاته في تحمل الفواتير السابقة بعيد!
هذا مع اليقين بالمضي في مشروع المقاومة مهما كلفت فواتيره.
وفي الجارة مصر؛ فإنه لا أحد يجرؤ على القول باستقرار الوضع في مصر، وسيظل التَّرَقب مسألة وقتية للجميع لرسم سياسات جديدة. وبالنظر في فاتورة 2014 فإنها هي كذلك ستُرحَّل إلى 2015 رغم كل ما قيل عن أشكال في المصالحة والتطور النسبي في بعض الدول المتشاركة، لكن الأعمق هو الحراك على الأرض الذي لم يرحب بأية مصالحة أو مبادرة؛ لأنه لايريد أن يدفع الفاتورة السابقة المليئة بالاستبداد والدماء والانحدار الاقتصادي، والمستقبل يتجه إلى أن الشعب المصري هذه المرة سيُحمِّل الحكومة جزءاً من الفاتورة السابقة! لأن عجلة الحكومة تدور إلى الوراء، والأيام ستحمل في طياتها إما المفاوضات وإما التغيرات.
شمالاً إلى لبنان المتوترة فإن حساباتها مختلفة، وفاتورة 2014 يحملها الجميع المنقسمون على أنفسهم، وسيتحملون فاتورة 2015 بالطريقة نفسها!
لكن ربما سيكون المثير توسُّع تكاليف فاتورة 2015 على الجميع، فالطرف السُّني يبحث عن قوة أكبر في ظل انشغال الطرف الشيعي في سوريا، وإعادة بنية الداخل المخترَق حتى العصب! في حين ستزيد الفاتورة على كل من إيران وسوريا، ولو لبقاء مناطق حماية لأية متغيرات متوقعة!
أما اليمن فإن الحوثيين هم من تحملوا فاتورة 2014 لوحدهم في نهاية المطاف، ولكن في مجال محدد وهو التسليح. فليس عنده – الحوثي – أي برنامج اقتصادي أو ثقافي أو تنموي أو مدني، بل كل ما في الأمر النفوذ والسيطرة في المرحلة الأولى، وهو مستعد – معتمداً على إيران – لتحمُّل فواتير 2015، وفي دوائر أخرى لو استطاع.
والطرف السُّني لن يَقبل السكوت، وهو يستعد لدفع فاتورة كبيرة في 2015 من دول عربية شقيقة لمواجهة الحوثي، وليس شرطاً لإعادة التوازن للمنطقة.
ويبدو أن الرهان على الفاتورة الأكبر هو الأهم لتوقع مشهد 2015؛ لأن اليمن لاينقصها الرجال ولا الرؤية إنما ينقصها التمويل للتحريك بشقه القبلي وشقه العسكري!
بعيداً إلى طرف المغرب العربي حيث تونس التي لم يتكلف أحد بدفع فاتورة 2014 كون البلاد مهيأة للتغيير واستقبال الحكم الجديد في أول عملية ديمقراطية كاملة. لكن فاتورة 2015 ستكون مدفوعة من كل تيار على حدة ولو على دفعات قليلة؛ للحفاظ على هوية كل طرف، وإبقاء صوته عالياً! أمَّا في حركة المجتمع ونظام الدولة، فإن الحكومة هي المسؤولة عن كل التكاليف العامة، ودور التيارات ولأول مرة مراقبتها بشفافية.
في الدولة الجارة ليبيا وفي بلاد مفتوحة للسلاح؛ فإن هذا الجو الملغوم يحتاج عادة إلى المزيد من الوقت لحين تكوين مناطق ميليشيات أو تصفية معركة. والضخ المالي العربي وربما الدولي للثورة المضادة مستعد لدفع الفاتورة نفسها التي دفعها في 2014، في حين سيُبقِي الثوار الحقيقيون على التكتيك نفسه في المواجهة، سواء تقلصت فاتورتهم الجديدة أم استمرت؛ فجهات التمويل العربية ماتزال متاحة، والخطورة في الملف الليبي اليوم عسكرية بامتياز، سواء في المواجهة على الأرض، أم في البحث عن قيادة تسرع في الإجهاز على الثورة المضادة بخطوات وآليات ترسمها القيادة الواعية لو وجدت على المستوى المأمول للمرحلة الجديدة.
هناك حيث سوريا فأمامنا عدة فواتير سابقة لا فاتورة واحدة!
الكثير يدفعون الفاتورة: أمريكا، إيران، لبنان، روسيا، تركيا، دول الخليج، سوريا والسوريون.
الله أعلم كم من الوقت ستستمر الأزمة؛ لأنه لا رؤية واضحة، ولا استراتيجية قائمة. كل ما في الأمر أن الفَرج قادم، وأن التغيير آتٍ ولو كان جزئياً.
التكهنات في المستقبل بحكم السنن والرؤى الاستشرافية يكتنفها قلق كبير؛ لكن يبقى الدور القيمي والإنساني مهماً للغاية.
لست متشائماً أبداً، ولكني حريص على تقديم الخطوات الممكنة للحفاظ على أهلنا في سوريا اليوم الذين تنوعت ملفات حاجاتهم بحجم مأساتهم. وهذا الدور الذي يجب أن يتضاعف، إلى أن يقدر الله تعالى الخير، والله تعالى ناصر دينه وأولياءه.
بعد هذه النماذج الماثلة أمامنا أعتقد أن المراجعة واجبة لمزيد فهم لحقيقة (المصلحة) التي غابت عن استيعاب النُّخَب فضلاً عن الدَّهماء.
إن المصلحة لا تعني الاندفاع وتحمُّل التبعات، كما لا تعني الاستسلام وتضييع الفرص.
والبحث عن الأمان وأقل الخسائر لايضاد البحث عن الحرية المفقودة والكرامة المسلوبة.
كل ما في الأمر إعطاء فرصة للعقلاء أن يبحثوا بوعي عن أجزاء من الحلول في الظروف المعقدة.
إن إلقاء التهم سهل من المفرِّط والمعاند، لكن المصلح ينظر إلى المكاسب والمصالح الممكنة خاصة عندما ينظر الجميع إلى طول النفق المظلم.
ملف المصلحة اليوم هو أخطر ما يمكن أن يقدمه رجال السياسة والفكر المخلصون جنباً إلى جنب مع الشرعيين؛ للحفاظ على مقاصد الشريعة وضرورياتها الخمس.
أعتقد أنه لو تمت مدارسة جادة لربما وصلنا إلى نتائج مهمة تصب في فهم المستقبل وإنقاذ ما يمكن إنقاذه بالطريقة الصحية، فضلاً عن استشراف المستقبل بعقلية واعية مستبصرة، وخطوات منطقية جيدة.
إن القضية ليست في التراجع المطلق عن أفكار قديمة أو حديثة، بقدر ما هي فهْم متى نخطو خطوة للأمام ومتى نرجع للخلف؛ هذا لو استصحبنا أن فكرنا اليوم يعبر القارات، ويؤثر على أوضاع البشر سلباً وإيجاباً.
ومن الطبيعي أن يظل مَن هم خارج السِّرْب يتفرجون أو يلومون كما في وضع اليمن الأخير!

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com