موعد مع رحلة القطار

في صبيحة يوم جميل بعد إشراقة شمس لطيفة نمضي إلى الحياة بأمل وصفحة جديدة نسجل بها أحداث يومياتنا، هي ساعات متسارعة تنتهي بها السنة، وكأن الماضي كان بالأمس القريب قد مر كلمح البصر دون أن نشعر، شربت قهوتي الصباحية مستمعاً لموسيقى هادئة بعيداً عن صخب المدينة، ووحيداً على الطاولة إلا من بعض البشر حولي. ثم أخذتني خطواتي دون أن أدري إلى محطة القطار لأسافر عبره من مكاني إلى منطقة أخرى، يقال إنها أرض واسعة معبَّقة برائحة الزهور، وبحيث لاتكاد مساحتها الملونة تنتهي بكل ما يسر الأعين ويريح القلوب، بها أناس مختلفون يحملون كل الحب والاحترام، واعتزلوا المظاهر الخادعة، وربما عاشوا في جيل غير هذا الجيل الذي يشهد كل يوم مشكلة والذي يبدع فيه الحاقدون بطرقهم لتعم الكآبة العالم.
أنا الآن عند سكة الحديد منتظراً وصول القطار، وكم حرصت ألا يتأخر موعده ولكنه تأخر قليلاً. وبالفعل تعلمت أن أكون قوياً وصبوراً متحلياً بالحكمة حتى أبلغ الهدف. سرحت لبرهة مع تفاصيل دقيقة ومتاهاتٍ حيَّرتني مع أنني قد حللت الكثير منها، فمن يجعل في دربه العقبات أمراً صعباً لن يصل إلى ما يريد، بل سيندثر ويتوارى شأنه كأن لم يكن.
نعم ما أحلى أنْ نكون من الفائزين والناجحين ونبتعد عن الخاسرين الذين نبذهم المجتمع. تداخلت عليَّ الكثير من الصور التي ماتزال عالقة منذ أيام الطفولة وإلى جلستي تلك وأنا أحدِّق بالنظر إلى البعيد. وجالت في مخيلتي قصص بعض من تعاملت معهم في الحياة، أولئك الذين نفرح معهم باللقاء ونسعد بأنْ نكون برفقتهم رغماً عن المستحيلات أحياناً، لكنها تعطي دافعاً للعطاء والتضحية واسترخاص الغالي والنفيس ليكونوا سعداء، فلايخو أحد مما يكدر حياته إذا كان القرار خاطئاً وأجبرت أن تعيش فيه.
ها قد وصل القطار، ولكن الغريب أنه قد أتى عكس السير.. ترى أأضاع الطريق؟ وبعد وهلة مع انتهاء طابور الانتظار صعد الجميع إلى أماكنهم، وفضلت أن أجلس بجانب النافذة المفتوحة على اليمين لأشم الهواء النقي وأطير متأملاً في الفضاء الواسع. لاحظت أن مقاعد القطار كلها على اتجاه واحد وأن معظم الموجودين قد اختاروا الجهة اليسرى، ولذا أحسست نفسي غريباً، وزاد ذلك الإحساس حين رأيت كل من في المكان يرمقني بنظرات! كانوا يكلمونني بلغة لم أفهمها، وشرحوا لي بعدها أنني أشبه أحد اللاعبين المشهورين. ثم راح الجميع يلتقط الصور معي فرحين! وبطبعي لن أحرم أحداً من هذه السعادة فقد كانت في مقدوري، إلى أن سمعت صافرة عامل المحطة معلنة عن بدء مشوار الرحلة.
وعند انطلاق القطار حدثت أمورُ لم تكن في الحسبان، فالقطار كان يسير إلى الخلف متوجهاً إلى مقصدي! هنا أتاني شعور بأنني أودع الماضي ملوحاً بيدي، ولكن المحطة خالية ومن غير مودعين، وانصدمت مرة أخرى بعد أن أخذت فكرة بسيطة عن المناظر التي سأشاهدها من بعض المواقع الإلكترونية، ولكني لم أر سوى الجبال التي تسد الأفق بينما كان السحر والجمال في الجهة الأخرى، هذان موقفان استنتجت منهما أن حكمنا الأَوَّلي قد لايكون مدروسا ًبدقة أو ربما نتخيله بشكل مختلف، لكن الأمر الذي يزيدنا ثقة في أنفسنا عندما نرى التقدير من الغير وخصوصاً عندما تسمع جملة مثل “كم أنت مميز”، حينها تعرف بأنك إنسان نادر الوجود وقليل الوجود في هذا الزمن! وعند الوصول عرفت أن الحياة جميلة ولاتقف عند أحد، وكان المكان رائعاً ذقت فيه معنى الحرية والراحة والسعادة.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com