نحن في زمن الفترة!

المراقب لواقع العالم العربي اليوم يدرك أننا ننتظر أحوالاً استثنائية في المنطقة، مما يعني أننا في (زمن الفترة).
فهذا (الملف الفلسطيني) يتجلى بعد حرب شرسة مع اليهود في غزة، التي تلم شعث الظلم، وكبرياء الخيانة، وتطفيء ما أوقدته النيران الصديقة! لترى نفسها أمام هجوم صهيوني عنيد يغلق المسجد الأقصى. ورغم هذا التآمر والحصار هب أبناء القدس القديمة، بل حتى سكان الأحياء الحديثة بالقدس وهجروا مساكنهم وعادوا لبيوتهم القديمة؛ ليرابطوا مع آلاف الشباب والبنات يومياً، وهاهم أبناؤها يبتكرون سبل المقاومة بما قلَّ وفتك!
إن قضية القدس هي التي تَجمع الأمة اليوم بلا خوف، بل لايجوز أن يكون معها الخوف أصلاً؛ ولذا فإن تحريك هذا الملف من كل قطاعات العمل الإسلامي والعربي والإنساني واجب المرحلة.
ومن غير مبادرات وتحركات على الأرض وتحت الأرض سيكون من الطبيعي حدوث حالة ارتباك في الملف الفلسطيني، نظراً لحال الناس المتأزِّم مالياً في غزة، والتعنت في رام الله في مطالبات التسليم الأمني الكامل، مع أخطاء في بعض قرارات حكومة غزة، وفوق ذلك تعدد أوجه الحصار والعار العربي!
ومن غير بذل الجهد لتخفيف وطأة الحمل الثقيل وتقليل كلفة الحرب المفروضة؛ فإننا قد نكون في (زمن الفترة) لأزمات اقتصادية وسياسية داخلية، توقعنا في وساوس وتخمينات لرصد جديد في الشارع!
***
وفي (الملف اليمني) أسرع الملفات تحولاً في المنطقة العربية، وبعد (الانسياب التاريخي) للحكم الحوثي؛ في ظل ذهول خليجي؛ فإن مآل الأمور لم تخلص بعد في بلاد مسلحة، وأناس مدربة ومهيأة، غيَّرت مجرى سبأ الحكمة لسيل العَرِم الذي يأكل الأخضر واليابس!
ويخطيء مَن يظن أن حل (الملف اليمني) المتطور والخطير لارتباطه بالسلاح والفكر، يتمثل في مجرد أدوار عبثية لبعض الدعاة والمؤسسات الدعوية؛ لأن الحديث عن الانقلاب وما في جوه هو حديث سياسي بامتياز، يُسأل عنه أول من يسأل الساسة في سواحل الخليج بالدرجة الأولى، والآخرون في الضفة الأخرى في قُم. ومع ذلك فإن دور المصلحين السياسيين مد الجسور مع الساسة الخليجيين في كل اتجاه؛ لتحريك ما يجب تحريكه من أدوات فاعلة للحفاظ على مستقبل الهدوء والتوازن في اليمن، بل في المنطقة كلها؛ فالملف لم يبدأ لينتهي، بل هو الضربة الأوجع، التي تتطلب إدراكاً لاحتمالَي تقسيم الأرض، أو تقسيم القرار. وسواها التلاشي كما في لبنان. وإلى توقع ما يجهز له الجميع، وتظهره الأخبار والتقارير فإن (زمن الفترة) هنا أدق وأصعب. أما دقته فلدخول الطائفية لأول مرة بهذا العمق في منطقة الخليج، وأما صعوبته فلأن التسليح لم يكن من مجرد تهريب، بقدر ما كان بعد تدريب!
***
ولايبدو أننا نبتعد كثيراً عن متابعة وحراك (الملف المصري) الذي دخل نفقاً مظلماً، ولم تفلح كل المليارات الخليجية لتجاوز الأزمة والبدء بعهد جديد. ورغم كل التطمينات والشعارات وبرامج القنوات ومانشيتات الصحف والمجلات؛ فإن الشارع المصري ليس هو الشارع المأمول، لا في ترويضه، ولا في تطمينه. والكل يراهن على (زمن الفترة) وهو زمن بلاشك سيكون الحاكم والحاسم!
فالشارع كان سيقبل الواقع الجديد في غالبيته لو آلت الأمور للتحسن المعيشي، وبعض نفَس الحرية بعد ثورة يناير، وشيء من العدالة شبه الظاهرة، ولكن الواقع لايحسده أحد.
ومصر لم ولن تكون لأحد بعد ثورة يناير، والشعب ملَّ وتعلم بعضه، ولم يزل البعض في سلم الوصول!
لقد أدرك العالم كله، غربِيُّه وشرقِيُّه، ساسته وعامته، أن بوصلة العرب (مصر)، ولن يفرض تحديد وجهتها طرف.
ومن أسف أن هذا التحديد عند أطراف وبموافقة أطراف قدم أكبر مجزرة في تاريخ العرب الحديث. ولَئن كانت مراهنة الأطراف على التخويف والتركيع؛ فإن الواقع مشى عكس التيار، والميدان يغلي، وسيغلي، لبضعة شهور أو لبضع سنين، وأيّاً كان ما يحلو للمراقبين والمحللين توَقُّعه؛ فإن (زمن الفترة) سيكون غالياً وحرجاً في مصر، ومصيره البشري إما بحكماء يصححون المسير، والطرق السياسية ممكنة، وإما العناد الذي لم يجد ولن يجدي، وإما رسْم طريق حرية جديد في آلياته، وقديم في مآلاته، كما في مغرب الكون في الثورة الفرنسية، أو في مشرقه كما في الحركة الماندلية، أو في وسطه كما في اللعبة التركيّة.
***
وفي غبش الصورة تلوح صور أكثر غبشاً عند ذكر (الملف السوري) وتطورات (داعش) ومقاومتها؛ وهذا الملف رغم وجوب تأكيد خطورة (المنهج الداعشي) الأثيم فكراً وفعلاً، وخطورته على مستقبل السلام السوري؛ فإن الخطر الأكبر يعني خروج بؤر جديدة يصعب التحكم فيها، يكون من السذاجة قراءة تشَكُّلها فكرياً، دون إبصار سبب سرعة تجميع أتباعها الذين سحقتهم طائفية القتل والسجن والتنكيل، وذاقوا ويلات الاستبداد الداخلي، واكتووا بنيران الاستعمار – الاستخراب – الخارجي، وسمعوا آهات القهر والعذاب تصك آذانهم صباح مساء.
والويل لنا من (داعش) إنْ تركناهم لجنونهم، وعذرناهم لما حصل معهم، والويل أشد على من مضى في خط الطائفية، ونكَّل برموز الأمة ومشاريعها وفكرها الوسطي؛ لأن الطرق إذا ضاقت انفجرت على عَمَى، وما نراه اليوم نتاج فعل الجميع في الجميع!
ولَئن قررت قوات التحالف خوض معركة شبه مفتوحة لِما يقل عن عشر سنين؛ فإن شظايا النار لن تتوقف، والحريق لن يُطفأ، و(زمن الفترة) كفيل بأن يجعلنا نقرأ الواقع الجديد بعقل جديد، يلغي ما في خطتنا من مسارب مظلمة؛ ركزناها في الحل الأمني، والقمع الاستبدادي؛ لتكون ضربتنا أمضى وأقوى وأبقى في محْق العنف واجتثاث جذوره.
***
ولعل (الملف الليبي) هو الأبرز وضوحاً، والأقرب تاريخاً؛ لاستيعاب خطورة اللعب بالنار من كل الاتجاهات، وفتْحِها من كل الجهات داخلياً وخارجياً!
ولن نكون بحاجة إلى (زمن الفترة) في ليبيا لو تُرِك لعقلاء البلاد إدارة ملفهم مهما طال، ومساعدتهم حين الحاجة بالموضوعية وبدون رغبات استفزازية! وخير دليل لبرهنة ذلك ما كان في (الملف التونسي) الذي حدد (زمن الفترة) واستوعب الدرس، واجتهد كل فصيل في البلاد، ورضِي باختيار الشعب، وقال كل رئيس حزب للشعب (أنا فهمتكم) قبل فوات الأوان، وارتفعت صيحات التنبيه في قطار الديمقراطية مبكراً قبل أن ينادي آخر راكب في المؤخرة (فاتكم القطار .. فاتكم القطار!).
@Ali_ALOMARY

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com