نقل السفارة إلى القدس.. مشروع الترشح الرئاسي الأميركي..!

لم تكن قضية نقل السفارة الأميركية إلى القدس وليدة اليوم، حيث سعت (إسرائيل) إلى ذلك منذ احتلال مدينة القدس بشقَّيها الغربي والشرقي عام 1967، ومرت هذه القضية بمراحل عدةٍ منذ عهد الرئيس الأميركي الأسبق ليندون جونسون آنذاك، مرورًا بالرؤساء رونالد ريجان (1981-1989)، وبيل كلينتون (1993-2001)، وصولا إلى دونالد ترامب اليوم؛ والذي لم يكن رائدًا في وعده بنقل السفارة، حيث إن معظم من وصل إلى سدة الرئاسة، إضافةً إلى عشرات المسؤولين، وعدوا بنقل السفارة من تل أبيب المحتلة إلى القدس المحتلة.
ودرجت العادة في الولايات المتحدة أن يقوم المترشِّحون للرئاسة في الحملات الانتخابية بإبداء مناصرتهم لـ(إسرائيل) واستعدادهم لدعمها سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا وغير ذلك من أشكال الدعم، واسترضاء (الإسرائيليين) بذلك، بهدف الحصول على أصوات اليهود الأميركيين في انتخابات الرئاسة الأميركية. ويعتبر ريجان أوّل من سنّ هذه (السنة) إبان تَرَشُّحه لفترة رئاسية ثانية عام 1984، حيث قال: «ربما أدرس نقل السفارة الأميركية إلى القدس»، وتبعه في ذلك كل من ترشَّح للرئاسة.
شهدت الفترة الرئاسية الثانية لريجان أول محاولةٍ عمليةٍ للحصول على قرارٍ يقضي بنقل السفارة من تل أبيب إلى القدس، حيث وافقت اللجنة الفرعية للعلاقات الخارجية في الكونغرس في 1/10/1984 على (مشروع) قرارٍ بنقل السفارة ومقر السفير الأميركي من تل أبيب إلى القدس في أقرب وقتٍ»، ولكنه لم يُعرض للتصويت. وفي عام 1985 أضاف مجلس الشيوخ (مشروع) تعديلٍ على لائحة الأمن الدبلوماسي ينص على أن بناء سفارةٍ جديدةٍ في (إسرائيل) يجب أن يكون في القدس فقط، لكنه لم يتم أيضًا؛ وكانت لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس قد نظرت بالقرار رقم 352 الذي يوصي بنقل السفارة إلى القدس، غير أن اللائحة جُمِّدت. وبعد تعديل قانون (هيلمز) عام 1988 كان من شأن الكونغرس أن يفتح الطريق أمام إقرار بناء منشأتيْن دبلوماسيتيْن يتم بناؤهما بصورةٍ متزامنةٍ في تل أبيب والقدس، ويمكن لأي منهما أن تستخدم سفارة لأميركا، وتترك للرئيس حرية القرار في هذا الشأن، وقد وقّع ريجان بعد عامٍ اتفاقيةً مع (إسرائيل) بشأن شراء أراضٍ في القدس لبناء ونقل السفارة عام 1996، رغم اعتبار مدينة القدس أرضًا محتلةً؛ إلا أن أميركا طلبت أن يظل الهدف من العقد غير معلنٍ ومبهمٍ، بينما طالبت (إسرائيل) أن يكون نص العقد صريحًا، مما أدى إلى تعرقل الاتفاق ومن ثم تعليق القضية.
انتهت فترة حكم ريجان، وتسلّم الرئيس جورج بوش الأب إدارة البلاد عام 1989؛ وكان يميل إلى إيجاد حلٍ لقضية القدس وما تحتويه من ملفاتٍ عبر التسوية والمفاوضات بين الطرفين الفلسطيني و(الإسرائيلي)، وهو ما جعله يعارض بشدةٍ قرار الكونغرس رقم 106 في 22/5/1990، الذي ينص على نقل السفارة إلى القدس؛ وذهب بوش إلى أبعد من ذلك، حينما قرر تجميد صرف ضمانات قروضٍ لـ(الحكومة الإسرائيلية) بقيمة 400 مليون دولار، وربط صرْفها بوقف الاستيطان في الأراضي الفلسطينية بما فيها القدس؛ وهكذا عُلّقت قضية نقل السفارة مرة أخرى حتى انتهاء ولاية بوش الأب عام 1993.
ومع حلول موسم الانتخابات لاختيار الرئيس الثاني والأربعين للولايات المتحدة عام 1993، كان موقف جورج بوش الأب وجبةً دسِمةً أحسن المترشح للرئاسة بيل كلينتون استغلالها في حملته الانتخابية، مما دفع إدارته للموافقة فيما بعد، على نقل السفارة إلى القدس، شرط ألا يكون ذلك قبل عام 1999. وبعد إبرام اتفاقية أوسلو، صرح المدعو إسحاق رابين رئيس حكومة (إسرائيل) آنذاك أن «الخلافات بشأن قضية نقل السفارة الأميركية إلى القدس غير مهمةٍ، وعلى الجانبين السير قُدمًا»، لتعود القضية إلى الواجهة من جديد.
وفي 23/10/1995، صوَّت غالبية أعضاء الكونغرس على نقل السفارة إلى القدس المحتلة على (القانون) الموسوم 104-45، الذي يقضي بنقل السفارة إلى القدس، واعتبارها عاصمة (الدولة الإسرائيلية)، وجاءت نتيجة التصويت على نحوٍ غير مسبوقٍ من التوافق، إذ وافق 467 صوتًا مقابل 42 فقط رفضوا ذلك.
ورغم صدور قرار نقل السفارة إلى القدس ذاك إلا أن القرار لم ينفّذ، ودأب الرؤساء الأميركيون إلى تأجيل النقل، مع الاستمرار بإطلاق الوعود بتنفيذ القرار بعد الفوز بالانتخابات؛ وكان كلّ واحدٍ منهم يعزو التأجيل إلى تداعيات هذا الإجراء الذي من شأنه تهديد مصالح الأمن القومي الأميركي.
أما دونالد ترامب الرئيس الأمريكي الجديد الذي يملك بيتًا في القدس، فإن ما أُعلن على لسانه ولسان أعضاء فريقه ومستشاريه، بما يخصّ نقل السفارة إلى القدس مثيرٌ للريبة، فهي لم تعد وعودًا فقط، بل أصبحت أقرب للتنفيذ، خاصةّ مع تعيين المدعو ديفيد فريدمان مستشار ترامب في الحملة الرئاسية، سفيرًا للولايات المتحدة لدى (إسرائيل)، وهو يهوديٌّ أمريكيٌّ من الداعمين للاستيطان، ويشغل منصب رئيس منظمة الأصدقاء الأميركيين لمستوطنة (بيت إيل) المقامة في رام الله، ومن المؤيدين لنقل السفارة إلى القدس، وقال في بيانٍ له: «إننا نريد العمل من أجل (السلام) ونتطلع إلى «تحقيق ذلك من سفارة الولايات المتحدة في العاصمة الأبدية لـ(إسرائيل) القدس».
إن ما يزيد الخوف من تنفيذ قرار نقل السفارة، أن ترامب يبدو أقل ميلاً ممن سبقه إلى التراجع عن فكرته، وهو ما سيكون خطأً قاتلاً، ليس للفلسطينيين فقط، ولكن لسمعة أميركا ودبلوماسيتها، وللأمن القومي (الإسرائيلي)، علاوةً على اعتبار ذلك انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي وللأعراف الدبلوماسية المعتمدة؛ ويُنظَر لخطوة ترامب، إنْ تحققت، باعتبارها ستُجهِز على ما تبقى من صورةٍ للولايات المتحدة كراعٍ للتسوية، لأن القدس هي القضية الأكثر حساسية في الصراع مع (الإسرائيليين).
ولابد من الاعتراف بصعوبة التنبؤ بما سيحدث، إلا أنه ووفق سيناريوهاتٍ وضعها باحثون ومحللون، فإننا أمام احتمال تنفيذ ترامب لوعده باعتباره أولويةً قصوى، أو اختيار مكتب الخدمات الدبلوماسية الأميركية في القسم الغربي من القدس ليكون سفارةً لأميركا، أو إنشاء سفارةٍ في هذا القسم من المدينة باعتباره جزءاً غير متنازَعٍ عليه، أو الإبقاء على السفارة في تل أبيب، بينما يقيم السفير في القنصلية الأميركية في القدس، أو أن يقوم ترامب بخطوة مزدوجة، فيعلن عن نقل السفارة للقدس من ناحية، ويعلن اعتراف أميركا بدولة فلسطين في الوقت نفسه، كترضيةٍ للطرف الفلسطيني وامتصاصٍ ردات الفعل العربية والفلسطينية؛ وبذلك يبقى الاحتمال كبيرًا بأن ينجح (الإسرائيليون) في الحصول على ما أرادوه منذ عشرات السنين.
ويبقى السؤال: إلى أين سيقودنا جنون ترامب؟ هل سيضرب بنتائج نقل السفارة عرض الحائط وينفّذ القرار؟ أم سيسعى إلى تفادي تطبيقه مثلما حاول أسلافه من الرؤساء السابقين خشيةً على الأمن القومي الأميركي، وخشيةً على (إسرائيل) نفسها من نتائجه؟

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com