هل سيكون لدينا: لكل ممول حكومة..!

منذ الأيام الأولى لعسكرة الثورة السورية لاحظ المراقبون تعدُّد الفصائل والألوية والرايات، وكانت الرايات في جملتها تتدارى تحت عناوين إسلامية ذات طبيعة تاريخية، تتعلق بأيام الفتح الأول أو بقادته، فإذا ما تجاوزت ذلك، قفزت إلى مسمى (الشام)، الحبيب إلى العقول والقلوب، والمثير لجدل المجادلين وتشكيك المشككين على أكثر من صعيد.
لم يمض عام على مسمى (الجيش الحر) الذي أنِس منه الجميع عنواناً وطنياً جامعاً، ومواجهاً لحقيقة جيش (العبيد) أو (المجرمين)؛ حتى أدرك الكثير من السوريين أن هذا العنوان (الجيش الحر) مجرد عنوان خلبي، لاتنضوي تحته قوى حقيقية، يُعْتَدُّ بها أو يعوَّل عليها.
وتساءل الناصحون كثيراً تساؤل تعجُّب ثم استنكار، عن موانع الوحدة والاجتماع والتنسيق! وكان الجواب يأتي متعللاً بأن هذه الوحدة ممنوعة بقرار أعلى دولي (أميركي)، أو سلطوي إقليمي؛ وكأن الفرقة والشتات والفوضى جزء من المقدمات التي كان يتمسك بها المتمسكون، للإجهاز على هذه الثورة في الوقت المقرر المحسوب.
وتمادى أمر الشرذمة أو التشرذم في المانحين، حتى رحنا نواجه حالات من الفصائل بأسماء وعناوين كبيرة ذات رنين وطنين، تسأل عن عديدها فيتحدث مموِّلها أو القائم عليها، عن رقم بالعشرات، ينفق عليه، ويعتد به، ويظن على سبيل التَّوَهُّم أنه سيُحدِث أثراً على صعيد معركة، خرجت من كونها ثورة شعبية ضد ظالم مستبد، لتصبح حرباً كونية ينغمس فيها الروسي والأميركي والإيراني مباشرة مع جحافل من الميليشيات المنظَّمة والمدربة والمموَّلة والمنقادة لقيادات مركزية، لاتحرك بيدقاً على رقعة الشطرنج إلا بعد طول تأمل وتدبير.
لقد أثمرت حالة الشتات الفصائلية في سورية الثمرة التي كان يرجوها الروسي والأميركي والإيراني بل زادت.
نتذكر يوم كانت الفصائل المعنية إياها، تتوقف عن قتال مثل (تنظيم داعش) مع انحرافه وانجرافه وبَغْيِه وعدوانه، تورعاً عن سفك دم حرام، ثم نقارن بما صار عليه الأمر بعد ذلك، حيث كان الفصيل ينزو على الفصيل طمعاً ببعض السلاح، أو بموقع يظن صاحبه أنه به أليق، أو أنه يدر عليه بعض التمويل!
ويبدو أن لعبة تشكيل الفصائل حسب رغبة الممول، وتعدُّد الفصائل اليوم بتعدُّد الممولين، وتبَخُّرِها بتَبَخُّرهم؛ قد جعلت البعض يستمرئ اللعبة، ليأتي على ما تبقى من مصداقية في مشهد الثورة السورية.
في حدود علمنا.. في سورية حكومة مؤقتة وطنية نالت ثقة أرقى ما توصل إليه السوريون من توافق. وهذا ليس تطويباً من كاتب هذه الأسطر لا للائتلاف ولا للحكومة المنبثقة عنه.
كمواطن سوري كنت أود أن يكون للسوريين مرجعية سياسية أرقى وأتقى، وأن تنبثق عن هذا الائتلاف حكومة أقدر وأحزم. ولكن هذا شيء، وأن نظل كسوريين نغزل على مغزل تلك التي «نقضت غزلها أنكاثاً»، شيء آخر.
ممول جديد عرض علينا منذ شهر تشكيل حكومة ثانية، وسيطل علينا بعد شهر آخر ممول ثالث يقدم لنا حكومة ثالثة، ورابع ورابعة، غير عدوية، وندخل في أرخبيل من الحكومات، نشهد فيه على أنفسنا أننا أهل للفوضى، وأهل للتنابذ، وأهل للادعاء والاختلاف.
وسيجد كل ممول حين يريد طابوراً من الطامحين والمستوزَرين ينتظرون إشارته، كما سيجد قاموساً من العناوين، ومرصوفات الادِّعاء الإصلاحية والبنائية ما يزيد على الذي يريد.
لايحتاج المشهد السوري فيما نقدِّر حكومة ثانية ولا ثالثة. نحتاج إلى الالتفاف حول الحكومة المعتمَدة، وترشيدها وعونها وتسديدها وتقويمها، لتقدم لشعبنا المنكوب بكثير من الأدعياء أقصى ما تستطيع.
وحين تجد المرجعيات المعتمَدة أن دور هذه الحكومة قد انتهى لسبب أو لآخر، فهي المؤهلة فقط لإنهاء حكومة وتشكيل حكومة بديلة.
يكفي ساحتنا ما فيها من بلبلة وفوضى وادِّعاء وضياع.
ويكفي الصامتين صمتاً على عبث العابثين، وفوضى الآثمين.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com