هل يحتفل شباب المسلمين بالكريسماس «دينياً»؟!

تلفظ السنة الميلادية أنفاسها الأخيرة، وتولد أخرى؛ فتندفع جموع المحتفلين في العالم إلى قاعات الاحتفالات ومراكز التسوُّق وفي الميادين الرئيسبة ..إلخ، تشق الألعاب النارية عنان السماء بألوانها المبهجة وفرقعاتها المطربة، يتراقص الشباب والشابات، أو يجلسون صاخبين أو صامتين للاستماع لأغنيات، أو يتسمَّرون أمام شاشات التلفزة لقضاء سهرة ممتعة لهم، إذ تحرص تلك القنوات على أنْ تكون تلك السهرات (مميزة)! وغير تقليدية.
وسط هؤلاء العابثين، هناك ملايين من شباب ومراهقي المسلمين يتجمعون لقضاء وقت (ممتع)! لايتكرر إلا كل عام، ولئن سألتهم لماذا تحتفلون هكذا؟! ربما لاتجد إجابات واضحة تنم عن إدراك حقيقي بأن هذه العبثية إنما هي في حقيقتها (احتفال ديني) يخص النصارى، أو هكذا يظنونه هم أنفسهم!
يتحدث فقهاء محذرين بأن «الاحتفال بأعياد غير المسلمين غير جائز»، ولو وصل كلامهم لمسامع هؤلاء الشباب والمراهقين والأطفال لرُبَّما أنكروه: عن أي حرام أيها الشيوخ تتحدثون؟! أنتم تعيشون في وادٍ والعالم في واد بعيد عن (دروشتكم) هذه! نحن لانحتفل (دينياً)، وليس فيما تتصورون أية عبادة أو نُسُك. إننا بالكاد نقضي وقتاً ممتعاً. آهٍ، ربما تقصدون هذا الرقص أو الغناء أو المسابقات الطريفة؟ دعونا نخرج قليلاً من كد الحياة وآلامها ولو سويعات.
الحق إن كثيراً من هؤلاء لايكذبون حين يدَّعون أنهم لايحتفلون احتفالاً دينياً، فأصل الداء ليس في توصيفهم لمسألة انقضاء عام وحلول آخر، وإنما الأمر أعمق من ذلك بكثير: إن جموعاً من نشء المسلمين لايدرك معنى الدين بالأصل، وغابت عنه مفاهيمه وأصوله إلى الحد الذي جعلهم يذوبون حتى تلجمهم العولمة إلجاماً، وهم لايتحسسون إذ ذاك هويتهم الغائبة وسط هذا الصخب والضجيج.
ولو عاد هؤلاء للوراء كثيراً لأدركوا مع قليل من التذكير بأن جذور تحوُّلِهم ممتدة عبر القرون، وأنهم قد صاروا دون أنْ يدروا مجرد إمَّعَات تساق أينما يريدها الممسك بأطراف حبال قيادهم وتوجيههم.
اجتراح السيئات، وارتكاب المعاصي بفعل المنكرات المصاحبة لمثل هذه الاحتفالات في هذه الليلة على فداحتها ليست هي أكبر المصائب، إذ يفضي تحليل أوَّلِي لشخصيات المحتفلين في العادة إلى اكتشاف فاجعة أكبر؛ فالمسألة لاتتعلق بتوَهُّم أهمية الاحتفاء بمناسبة ما أو مجرد اقتراف منكرات منفردة، وإنما في ميوعة وهشاشة الشخصية نفسها التي أصبح يملكها أو بالأحرى لايملكها هؤلاء الشباب والشابات. إنها حالة الذوبان الفكري والانسياق الاستسلامي لأية فكرة طارئة. هؤلاء الشباب لو دُعُوا إلى الاحتفال بـ(عيد الباذنجان) أو (البطاطا) أو أي (عيد مختلَق)، واحتفى به الإعلام بشكل ما، وأفرد له مساحات لخرجوا للرقص للباذنجان أو البطاطا!
المسألة في جوهرها لاتتعلق بالكريسماس أو رأس السنة. إن أحداً من هؤلاء المحتفلين لم يسأل نفسه مرة: لماذا انْسَقْتُ إلى هذا المسار دونما تفكير أو إرادة؟ أو لماذا تم محو شخصيتي واستقلاليتي الذاتية على هذا النحو؟! أو ما الذي أوقعني مع كل أمتي تحت نِيْر هذه العولمة التي سلبت مني عامي الهجري وأحلَّت الميلادي (الغربي) بدلاً منه؟! لماذا صار هذا اليوم (مقدَّساً) هكذا فيما لايمثل لنا في حقيقته شيئاً؟! أو حتى لماذا لا ألهو في يوم آخر بدلاً من هذا؟!
الإجابة ستكون قاسية على كل هذا، لكن لننظر من قبل فيما صح عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «اغْدُ عالماً أو متعلماً، ولاتكونن إمَّعَة». وفيما رُوِي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لاتكونوا إمَّعَة تقولون إنْ أحسنَ الناس أحسنَّا وإنْ ظلموا ظلمنا، ولكن وطِّنوا أنفسكم إنْ أحسنَ الناس أنْ تحسنوا وإنْ أساءوا أنْ لاتظلموا». ولنُقبِل على هذا الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم: «لتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن كان قبلَكم حُذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّة حتى لو دخلوا جُحْرَ ضَبٍّ خَرِبٍ لَدَخَلْتُمُوه».
تدرون ما القُذَّة؟ إنها ريشة السهم التابعة له. إنه الاستلاب القِيَمي ومَوَات الهوية؛ فبينا كنَّا أمة مرموقة سائدة متبوعة، صار شبابنا المسلم كريشة تقذفها الرياح أنَّى شاءت، تائهة بين العواصف والأهواء. إن أكبر مظهر يلفت النظر في الاحتفال برأس السنة الميلادية ليس فجور الاحتفال وحده، بل ذهاب الهوية وموت الإرادة وغياب الاستقلال والخصوصية.
الأنكى في هذا الاحتفال أنه كاشف لمدى استرخاص شبابنا لخَيْرِيَّتهم بين الأمم: «كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ»، وتذللهم لكل صيحة أو دعوة عالمية تافهة. وكلما زادت أعداد المخمورين بفكرة كهذه، وكلما أمسى الانخراط فيها عميقاً، كلما دلَّ على غياب معنى العُلُو الذي اختُصَّ به المؤمنون عن سائر أهل الأرض في نفوس شباب الإسلام، فالله سبحانه وتعالى يوضح معنى العُلُو الذي يتعين على المؤمن أنْ يستشعره ويحس بأثره النفسي بين الأمم والشعوب: «وَلاتَهِنُوا وَلاتَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنتُم مُّؤْمِنِينَ». هذا العُلُو هو قرين الإيمان، وعكسه هو ذاك ما نراه من استرخاص الشباب لقِيَم دينهم وهويتهم وفرادتهم الأخلاقية والسلوكية والعقدية عن سائر الأمم.
هذا الغرق في أوحال التقليد والمحاكاة ليس له معنى سوى تلك الدَّنِيَّة التي غرق الشباب فيها. هذا الشباب الذي للأسف لايجد كثيراً من يأخذ بيده للتعرف إلى جوهر دينه وقيمته وسُمُوِّه، ويزرع في قلبه هذا الاستعلاء الإيماني الذي يستغني به عن تقليد العابثين والسكارى والفاسقين.
إن ما نراه ونلمسه بأسى في هذه الأيام ليس إلا أعراضاً لأمراض مبدأها غياب الداعية والمعلم والمربي، قطع الأيدي الحانية عن أنْ تربت على أكتاف شبابنا المسلم في محيطنا الإسلامي الواسع، وحتى في قلب دول العالم الأخرى. فقدان البوصلة وغياب الموجِّهِ المشفق أبعد شبابنا عن الجادة فاجْتَالَتهم شياطين الإنس؛ فأبحرت بهم في ظلمات التيه والضلالة والمعاصي، ولا مخرج إلا بعودة صادقة وعزيمة لاتلين على إصلاح ما أفسده المبطلون «واللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لايَعْلَمُونَ».
وبالعودة إلى تساؤلنا الأول: هل يحتفل شباب المسلمين بالكريسماس (دينياً)؟ تبدو الإجابة واضحة الآن: إنهم يحتفلون (دينياً) فعلاً، لكن بلا وعي أو بصيرة، إنهم يبيعون هويَّتهم وخصوصيتهم في سوق العولمة الرخيص، وهم يظنون أنهم بالكاد يتراقصون ويقضون (وقتاً ممتعاً) فقط من دون تفاصيل عقدية وفكرية معمَّقة، حتى لو لم يكونوا يدركون معنى الاحتفال ويَقْصِرُونَه فقط على انقضاء عام وحلول آخر وبداية تقويم جديد!

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com