هل يدرك النواب ضَعف المقدرات المادية لجامعاتنا..؟

يطوف بالمنتديات والمجالس هذه الأيام غالب المترشحين لنيل عضوية مجلس النواب من أجل طرح برامجهم الانتخابية للدورة المقبلة للمجلس. كما يقوم كثير منهم بطرح طرف من ذلك في الجرائد المحلية، وفي وسائل التواصل الاجتماعي. ومن خلال متابعتي المتواضعة لعدد من برامج المترشحين، لم أجد أية إشارة تتعلق بالتعليم العالي في برامجهم، مع أن لأبناء غالب العوائل في البحرين نصيب في الدراسة الجامعية في هذا الوطن الغالي.
ويتعلق عدد كبير من الأمور بالتعليم الجامعي، وعلى المترشحين لمجلس النواب إدراكها لدفع مسيرة التعليم الجامعي نحو التميُّز. ولا أظنني أحيد عن الصواب إنْ قلت إن النواب في الدورة السابقة لم يحظوا بشرف مناقشة المسائل التي من شأنها تطوير التعليم العالي والبحث العلمي. ولعل من الأمور المقلقة والمتعلقة بالتعليم الجامعي هي ضَعف تنمية مقدراتها المادية، وعدم وضوح رؤية المسؤولين تجاه تطوير التنمية المادية للجامعة. ولا أشك أن الدور آتٍ على نزع الدعم المَلَكِي للدراسة في جامعة البحرين، حيث لايتعدى ما يدفعه الطلبة سُدس تكلفتهم الدراسية.
وتتزايد أعداد الطلبة في جامعتنا الوطنية باستمرار، وبالتالي تتضخم معها احتياجاتها المادية والتعليمية باضطراد. وفي حين إن عدد الطلبة المقبولين بجامعة البحرين عام 2012 لم يكن يتجاوز ٤٥٧٤ طالباً، فقد فاق عددهم هذا العام ٧ آلاف طالب. وبالمثل لم يكن العدد الكلي للطلبة المسجلين في الجامعة قبل نحو عقد من الزمن يتعدى أحد عشر ألف طالب – يزيدون قليلاً أو ينقصون – فقد فاق عددهم هذا العام ٣٥ ألف طالب. ورغم كون هذا العدد كبيراً على بلد صغير نسبياً مثل البحرين، فإنه يمثل إرثاً علمياً مهماً لمستقبل البلد، إذا ما أُحسِن استثماره.
ولاتكمن الإشكالية في عدد طلبة الجامعة، ولكن في عدم مرافقة مثل تلك الزيادات أية إضافات في أعداد الطواقم التعليمية والفنية، وفي المعامل، وفي الصفوف، وفي القاعات، وفي تحديث الأجهزة العلمية وديمومة معايرتها، أي جعْل الأجهزة دقيقة القياس، وفي غيرها من البرامج والأدوات المساندة للعملية الأكاديمية والتعليمية. ومن ثم انعكاسها سلباً على الطلبة بدنياً ونفسياً وعلمياً، وعلى الأكاديميين إرهاقاً وكفاءةً وبُعداً عن البحث العلمي، ومن ثَم تخَلُّفُهم عن التوجهات العلمية الحديثة.
ولم ترافق مثل تلك الزيادات في أعداد الطلبة أية زيادة في الميزانية المخصَّصة للجامعة، بل إنها قُلِّصت. وقد كانت ميزانية الجامعة قبل نحو أحد عشر عاماً 43 مليون دينار – دون احتساب ميزانية كليتي المعلمين والعلوم الصحية – وغدت الآن دون ذلك، رغم تَضاعُف أعداد الطلبة خمس مرات، وتضَخُّم تكاليف وأسعار كل شيء في البلد. والأمر أسوأ بالنسبة للطاقم التعليمي من الأكاديميين، حيث قل عددهم مع تقاعد عدد كبير من البحرينيين وارتحال آخرين إلى جامعات أخرى تستوعب أبحاثهم وقدراتهم، واستقالة عدد آخر من الأجانب أو عدم التجديد لهم، دون إحلال البدائل المكافئة مكانهم. وفي المقابل زاد عدد الإداريين بشكل ملحوظ.
والحق أنه لايمكن إدارة الجامعات بمثل هذه الميزانيات الضئيلة، ولو أراد ذوو الشأن إظهار إمكانيتهم إدارة الجامعة بمثل تلك الميزانيات – والتي بالكاد تغطي رواتب موظفيها، ومصروفاتها التشغيلية – وفق ما أبلغني به أحد نواب البرلمان للدورة قبل السابقة. والحق أن تقدير الضرر الحاصل لايتم إلاّ على المدى البعيد، ولاسيما على مستوى التدريس والبحث العلمي وخدمة المجتمع.
وتتكدس أعداد كبيرة من الطلبة في الصفوف، بل وفي الممرات بسبب تجاوُز عدد النفوس البشرية سعة المباني، وقلة عدد الأكاديميين. ولا أظن أن مَن له علم بالمعايير التربوية والتعليمية يمكنه القول: إن مثل تلك الصفوف تساهم في تطوير العملية التعليمية.
ومن أجل المقارنة يمكننا إيراد ميزانيات بعض الجامعات العربية القريبة منا، وذلك وفق إحصاءات عام ٢٠١٤/٢٠١٥؛ كي يعي القارىء حجم المشكلة، ولعلها الآن دون ذلك قليلاً بسبب الإجراءات التقشفية في منطقتنا. فقد فاقت ميزانية جامعة الملك سعود في الرياض حينها مبلغ 942 مليون دينار، وجامعة الملك عبدالعزيز بجدة 447 مليون دينار، وجامعة الملك خالد 300 مليون دينار، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية 285 مليون دينار، وأم القرى 218 مليون دينار، والدمام (الإمام عبدالرحمن بن فيصل حالياً) 236 مليون دينار، وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن 124 مليون دينار. وبينما يفوق عدد طلبة جامعة الملك سعود – التي تعد الثانية عربياً ودون الـ٢٨٨ عالمياً في الترتيب العالمي للجامعات، ضعف عدد طلبة جامعة البحرين، ولايصل عدد طلبة جامعة الملك فهد للبترول والمعادن رُبع عدد طلبة جامعة البحرين. وعلى القارئىء مقارنة ميزانيتها بميزانية جامعتنا الوطنية. أما ترتيب جامعة البحرين لعام ٢٠١٤ وفق صفحة الجامعة فقد جاءت في المركز ٣٦٢٨ عالمياً، ولعلها تدنت أكثر من ذلك حالياً. والأمر بشأن الميزانية فإن ميزانية الجامعة الأردنية أعلى من ميزانية جامعة البحرين؛ إذ تبلغ نحو 50 مليون دينار بحريني.
وعَوداً إلى الجامعات السعودية، تمتلك جامعة الملك سعود حالياً محفظة استثمارية عقارية وقفية تتجاوز المليار دولار، وتسعى لأنْ تصل إلى 25 مليار دولار بحلول العام 2040. وتهدف تلك الجامعة إلى تأسيس برنامج أوقاف جامعة الملك سعود وإلى تعزيز الموارد المالية الذاتية للجامعة (منها برج منارة الملك عبدالله للمعرفة من 52 طابقاً، وبرج مصرف الراجحي الطبي، وبرج الأجنحة الفندقية، وبرج صالح كامل، وبرج العمودي، وغير ذلك).
وعلى النقيض من ذلك فإن الوضع في جامعتنا – للأسف – لايسر من حيث الاستثمار، بل إن وزارة المالية استحوذت خلال فترة سابقة على مبلغ كبير نسبياً يفوق الأربعة عشر مليون دينار من المبالغ التي كانت توهب للجامعة من قبل محبِّي الجامعة والداعمين لها بدعوى أنها تخالف الأنظمة! مع أن مثل تلك المبالغ كانت موجودة لسنوات كثيرة في حساب الجامعة. وعلاوة على ذلك فقد وهبت عائلة خنجي للجامعة قطعة أرض قريبة من سوق المنامة منذ أكثر من عشرين سنة على أن تستثمرها لزيادة مدخولاتها، إلا أن الأرض ماتزال كما هي. ولعل المستفيد الوحيد منها هم أهل المنطقة لإيقاف سياراتهم. ولو أن الجامعة استثمرتها في إقامة محلات تجارية وشقق ولو لموظفيها الأجانب، لَكانت إضافة مثمرة إلى ميزانيتها بأكثر من خمسة ملايين دينار صافية بعد خصم المصروفات منها.
كما أن إيرادات الجامعة من عقْد المؤتمرات والدورات التخصصية في تناقص جَلِي عما كانت عليها من قبل. علما بأن مثل تلك الفاعليات العلمية تدعم المكانة العلمية للجامعة، وتسهم في بناء شراكة فعلية مع المجتمع.
أما أرض الجامعة في الصخير فهي على علاقة عكسية مع ازدياد عدد الطلبة فيها، فالاستقطاع منها دائم، فقد فاقت تلك الاستقطاعات ثلث الأرض الأصلية المخصصة للجامعة، هذا دون احتساب الحرم الجامعي في مدينة عيسى الذي آل إلى كلية (بوليتكنك البحرين) دون تعويض يذكر لجامعة البحرين حتى الآن. وكأن الجميع مستفيد على حساب الجامعة الأم في البحرين. وكل ذلك يتنافى مع المقولة إن الجامعات يخطَّط لها لقرون مقبلة؛ كي تحظى بالاستقرار من حيث بنيتها التحتية.
وكما هو مذكور في صفحة الجامعة في الـ(ويكيبيديا) – إنْ كان دقيقاً – فإن مساحة الحرم الجامعي تصل حاليا إلى ١٥٦٦٠٧ أمتار مربعة، ولعلها تكون المساحة المبنية بعد أن كان مساحتها تفوق مليوناً وربع مليون متر مربع بكثير، وذلك لموقعي الجامعة بالصخير ومدينة عيسى، ودون احتساب مساحة كلية العلوم الصحية التابعة للجامعة في السلمانية. وأذكر كل ذلك حفاظاً على مقدرات الجامعة.
وحيث إننا بصدد الكلام عن ضَعف الميزانية وأن الرواتب تستهلك غالبها، يمكننا القول إن التضخم في الطاقم الإداري ليس في مصلحة الهيئة التعليمية. فمن أصل أكثر من ٢٠٨٢ موظفاً في الجامعة، لايتجاوز عدد الأكاديميين -بمن فيهم المبتعثون لدراسة الماجستير والدكتوراه – ٨٨٠ فرداً وفق ما ورد على صفحة الجامعة، أي دون ٤٠٪ من العدد الكلى لموظفي الجامعة. وذلك على عكس التوجهات العالمية في التعليم الجامعي.
وترى (جِني روجرز (وهي عضو في الاتحاد الأميركي لأساتذة الجامعات، أن أفضل نسبة بين عدد الأكاديميين والإداريين هي واحد إلى واحد أي تَساوِي عدد الأكاديميين مع عدد الإداريين. ولابد من ملاحظة أن الإداريين الذين يقومون بمساعدة الأساتذة في التصحيح وجمْع المعلومات مشمولون ضمن عدد الإداريين، وهذا ليس موجوداً عندنا. وترى روجرز أيضاً أن أي اختلاف لهذه المنظومة سواء في عدد الإداريين أو الأكاديميين تكون خسائرها المادية في غير مصلحة الجامعة. ومن هنا يتبين أن الهوة كبيرة بين الإداريين في جامعة البحرين وأكاديمييها. وهذه ليست دعوة لصرْف بعض الإداريين من الجامعة فأنا ضد ذلك، ولكنها دعوة لتصحيح عدد الأكاديميين فيها. كما يؤكد (بنيامين غينسبرغ(- من جامعة أكسفورد، والتي تأتي على رأس قائمة أقوى الجامعات عالمياً – أن الجامعات تغدو أفضل بعدد أقل من الإداريين، وذلك في كتابه (تدهور الأكاديميين: صعود الجامعات الإدارية ولماذا يهم The Fall of Faculty: The Rise of the All-Administrative University and Why it Matters ).
ولعل النسبة تختلف قليلاً بين الجامعات البحثية والجامعات التقليدية التي يغلب عليها الجانب التعليمي. ومن هنا يمكننا ملاحظة فشل جامعاتنا في الحصول على أية براءات اختراع بالمقارنة مع عدد من الجامعات الخليجية. فعلى سبيل المثال تملك جامعة الملك فهد للبترول والمعادن أكثر من ٨٠٠ براءة اختراع. ويمثل هذا العدد أكثر من ٦٠٪ من براءات الجامعات العربية، وذلك وفق تصريح رئيس الجامعة السابق الدكتور خالد السلطان. كما حصلت جامعة الملك سعود على ١٧٨ براءة اختراع في عامي ٢٠١٣ و٢٠١٤.
ومع ضَعف ميزانية جامعتنا الوطنية يبقى السؤال المحيِّر هو: لِمَ لَمْ تحصد أيٌّ من جامعاتنا أية براءة اختراع خلال السنوات العشر المنصرمة؟! ولِمَ لَمْ تقم الجامعة بإيجاد وقفيات تدعم ميزانيتها؟! ولم تتطور عائدات الجامعة من الدورات المهنية والتخصصية؟ وأخيراً لِمَ تعجَّل الأكاديميون ذوو التَّمَيُّز العلمي الإحالة إلى التقاعد؟
إن القلب ليعتصر ألماً وهو يرى مثل هذا الصرح الوطني في تدهور أو تراجع مستمر – على وجه العموم – بعد أن كان يُضرَب بالبحرين المثل في تفوق أبنائها علمياً. والله من وراء القصد.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com