ورقة التوت الأخيرة للغرب والانقلاب التركي الفاشل

نزعت المحاولة الانقلابية التركية الفاشلة ورقة التوت الأخيرة عن الجسد الغربي الذي كان يتدثّر بها، وهو الذي يتمسح ببقايا مساحيق ديمقراطية تجميلية على وجهه القبيح، سريعاً ما أذابتها حرارة المحاولة الانقلابية الفاشلة.
وأنت تتابع المحاولة الانقلابية تستغرب لهاث سفارات ومسؤولين ووكالات أنباء ومراكز دراسات وكأنهم يعملون ضمن إدارة واحدة موحدة نحو هدف واحد، وبمايسترو واحد للانقضاض على تجربة ديمقراطية فريدة في العالم العربي والإسلامي، تأييداً للانقلاب وشيطَنة لحكومة أردوغان، دفعت صحافياً غربياً مقتدراً مثل (روبرت فيسك) أن يفتري على التاريخ فيقول إنه يؤكد أن ما من انقلاب فاشل إلا ويعقبه انقلاب ناجح!
الدليل الأوضح لهذه الممارسات الغربية جاءت من السفارة الأميركية في أنقرة حين وصفت التحرك بعد انطلاقته مباشرة بـ(الانتفاضة)! وبالتحرك الكبير، وهو ما جعل كيري/لافروف يواصلان اجتماعهما لعشر ساعات منتظرين على ما يبدو ما ستسفر عنه المحاولة، لعلهما يزفّان ذلك لمن ينتظر نجاح الانقلاب العسكري.
المضحك أن مركز دراسات غربياً يفترض أن يكون محترماً سارع وعلى صفحة موقعه بالإنترنت بالقول نقلاً عن مصدر عسكري أميركي كما قال إن أردوغان طلب اللجوء السياسي إلى ألمانيا! وهو ما نسف كل مبررات وجود أية مراكز دراسات بحثية في العالم بعد اليوم، إذ إنه لعب دور المحرض والمتشفي، بينما يفترض أن يقوم بالبحث والدرس والحديث عن الآفاق! وسارعت معه وكالات أنباء غربية إلى الحديث عن سيناريوهات ما بعد الانقلاب، في حين كانت قاعدة أنجرليك التركية وبإشراف أميركي معقلاً لتآمر الانقلابيين.
لكن الأهم بنظر الأتراك هو الحرص الأميركي على منح المتهم الرئيسي بالمحاولة الانقلابية فتح الله غولن الإقامة الدائمة بولاية بنسلفانيا في أميركا. وعلى الرغم من نفيه ضلوعه بالمحاولة طبعاً لكن بعد أن تأكد فشلها، غير أنه لم يستبعد تورُّط مؤيديه ومناصريه فيها، ولذا فيصر أردوغان وحكومته على ضرورة تسليمه لتركيا من أجل محاكمته.
المضحك أن يهب وزير الخارجية الفرنسي فيعلن بعد المحاولة أن على أردوغان ألا يستغل المحاولة الانقلابية الفاشلة كشيك مفتوح من أجل تطهير الجيش من العلمانيين! وكأن الانقلابيين خرجوا للرقص في الشوارع وليس من أجل القضاء على التجربة الديمقراطية الرائعة في العالم. ولم يتحرك الوزير الفرنسي أبداً أمام سحْق طاغية الشام للبلد بشراً وشجراً وحجراً على مدى خمس سنوات، ولم يتباك على الشام وأهلها كما بكي حقيقة وفعلاً اليوم على العلمانية.
الظاهر أن القلعة الأخيرة المتبقية للغرب في العالم الإسلامي وتحديداً في الشرق هو الجيش التركي العلماني النشأة، ولذا فهم يخشون أشد الخشية من أن يتم تفكيكه على يد الحكومة الحالية، لاسيما وقد رأينا أن من أحبط الانقلاب هو الشعب والشرطة والاستخبارات، وربما لأول مرة لم يستعن رئيس الجمهورية المنتخَب بالجيش نفسه في إحباط الانقلاب، الأمر الذي يشي بمدى خشية أردوغان من الجيش وتحركه، وخشية الغرب على مصير هذا الجيش.
المعروف والمعلوم تماماً أن علاقات الغرب مع العالم العربي والإسلامي هي علاقات جيوش لجيوش، وعسكر لعسكر، وليست علاقات دول ومؤسسات، ولذا ففي تركيا اليوم وغداً، ستنعدم هذه العلاقة وستكون العلاقة مع حكومات منتخبة غير عميقة ممثلة بالجيش، وهو ما سيجعل التحرك والتآمر الغربيَّيْن أمراً صعباً إن لم نقل مستحيلاً، فضلاً عن أن مشاهد إذلال الانقلابيين في الشوارع أعطى رسائل سلبية خطيرة لكل عملاء الغرب في جيوش الاستبداد بالعالمين العربي والإسلامي.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com