وعلمانيةً إبتدعوها ..!

بعيداً عن الجدل الفلسفي والسجالات الكلامية (التي لايتسع المقام لبسْطها)، فإن العلمانية في جوهرها هي: إقصاءُ الدين من الفضاء العام وحبسه في دائرة الشعائر الفردية، وقَصْر حضوره على الشأن التعبدي المحض. أما أنظمة الحياة بما فيها التدابير السياسية والاقتصادية والتشريعية، بل وحتى الأحكام الأخلاقية من حيث التحسين والتقبيح فمرجعيتها الإجتهاد العقلاني(Rationalism) ، الذي لا حدّ له ولا ضابط. وتبعاً لهذا التعريف المختصر، فعلينا أن نقرر أولاً، أن العلمانية والإسلام ضدان لايلتقيان ونقيضان لايأتلفان، وعلينا أن نقرر ثانياً أن العلمانية وكمال التوحيد لايجتمعان في قلب إمرىءٍ مؤمن، وعلينا أن نقرر ثالثاً أن السعي إلى علمنة الإسلام هو حرْث في البحر، ليس لقوة المسلمين وممانعتهم، بل لأن الطبيعة التكوينية للإسلام لاتتصالح مع مقتضيات العلمنة، فبنيته العقدية والفكرية والتشريعية تقوم على التكامل والشمول، ومقاصده الكلية لاتتحقق إلا عبر حمْل رسالته وبسْط قيَمِه وتجسيد أنموذجه الحضاري، وهي الرافعة التي بها يقوم الدين وتتحقق مقاصده.
هناك جملة من التلبيسات والمفترَيات التي يبثُّها دهاقنة العلمنة في العالم العربي إمعاناً في تضليل العقل الجمعي، يأتي في طليعتها التبشير بميلاد نظام ديمقراطي يصون الحريات ويبسط العدل ويحتفي بالتسامح وينتصر للكرامة الإنسانية وينجز الرفاه الاقتصادي ويؤسس لحالة معرفية تضاهي تلك السائدة في النموذج الغربي، والعلمانية بزعْمِهم هي المقدمة الحتمية لمغادرة الحقبة الظلامية والتصالح مع النظام الحضاري العالمي! الذي يقف الاسلام – بحمولته الفكرية والقيمية – حائلاً دون الإلتحاق به!
والحق أن العلمانية كنظام مفاهيمي، والديمقراطية الليبرالية كنظام سياسي، أمران منفصلان، وليس ثمة ارتباط بنيوي بينهما، وآية ذلك أن الأنظمة الشمولية الحديثة والمعاصرة، هي في المجمل أنظمة علمانية في جوهرها، ومع ذلك فإنها تمارس الديمقراطية شكلاً.
ولا ريب أن العلمانية حررت أوروبا من ربقة النظام الكهنوتي الكنسي، وأسهمت في تفكيك الحكم الثيوقراطي الذي جثم على صدر القارة حيناً طويلاً من الدهر، أوردها فيه موارد الهلاك وقادها إلى انحطاط تكلست بسببه مفاصل التطور، والأمر على عكس ذلك في التجربة الحضارية الإسلامية، إذ كان الإسلام هو الرافعة التي شيَّدت تلك الحضارة. أما الأنموذج السياسي الإسلامي، كما جسدته الدولة النبوية والعهد الراشدي، فإنه يجمع بين ثبات المبادىء الحاكمة، وفي طليعتها ولاية الأمة والعدل والحرية والشورى والمساءلة وعلوية الشريعة، وبين القدرة على التجدد استيعاباً للتحولات واستجابة للمتغير الإنساني، فالخطاب الإسلامي مكتنز بإجابات مستقبلية لكل ما يطرأ من أسئلة التطور البشري. فلا وجود في الإسلام لتلك الثنائيات التي اصطبغت بها المسيحية كثنائية الدين والسياسة، وثنائية الزمني والروحي.
ومهما يكن من أمر، فإن دعوات العلمنة التي استيقظت فجأة كأنما نشطت من عقال، والتي ستمثل الوجه الفكري لمشروعها الجديد القديم في تكريس حالة الاستلاب وتبييض الاستبداد السياسي، والذي غدا أسود مربادَّاً، وصار ظاهرة معزولة في المجتمع الإنساني. دعوات العلمنة تلك هي إحدى أدوات منازلة مشروع الإصلاح ذي المرجعية الإسلامية الذي ارتضته شعوب المنطقة دستوراً رافعا للحرية، ومنهجاً لتعزيز الحكم الرشيد.
فبعد أن تثلمت أدواته الأمنية، يتوسل مشروع ثورته الجديدة الآن بالفكر، ولم يجد سلعة يرشي بها الغرب خيراً من العلمانية، فهي في التجربة الغربية ترمز إلى التحرر من الحكم الثيوقراطي، وتختزل في جوفها حزمة من التعبيرات القيمية التي يطرب لها الغرب، كالحريات الفردية المنفلتة.
هي (العلمانية المتوحشة) إذاً، التي لاتكتفي بحبس الإسلام في محاريب الشعائر، بل تلاحق تمظهراته في الحياة العامة لتنقضها عروةً عروة، حتى تحيله إلى حزمة من الطقوس اليابسة، وما التصوف الراقص إلاَّ أنموذج لحالة التديُّن المراد تنصيبها مثالاً للإسلام المتصالح مع العلمانية. يبدو أن القوم ثملون بقراءة رغائبية منقطعة الصلة بالواقع، وإلاَّ فإن الأمة قد حسمت خيارها الحضاري فرضِيَت بالإسلام ديناً والشريعة مرجعاً.

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com