​اشتباك الأقصى: دلالات المكان والزمان

عملية جديدة في باحات المسجد الأقصى، نفَّذها ثلاثة فلسطينيين أبطال من الداخل الفلسطيني، وتحديدًا من أم الفحم وهم من عائلة جبَّارين، أطلقوا النيران على دورية للشرطة الصهيونية موكل إليها مهام إذلال المصلين الفلسطينيين الراغبين بالصلاة في المسجد الأقصى، فقُتِل اثنان من أفراد الدورية على الفور، فيما استُشهِد الأبطال الثلاثة.
فهل ماتزال انتفاضة القدس مستمرة؟ وما دلالات المكان والزمان؟ ولماذا أدان رئيس السلطة محمود عباس العملية؟!
انطلقت انتفاضة القدس في شهر أكتوبر من عام 2015 في الأراضي الفلسطينية، وقد بلغت ذروة هذا الحراك آخر شهرين من العام 2015 والأشهر الأولى من العام الماضي 2016، لكنها بدأت تتراجع تدريجيًّا في أواخر العام الماضي.
وأهم ما يميز هذه الانتفاضة عمليات الطعن التي نفذها فلسطينيون ضد قوات الاحتلال (الإسرائيلي)، حتى بات البعض يطلق عليها تسمية انتفاضة السكاكين. وقد شهد عام 2016 بعض التحولات في الانتفاضة، لعل أهمها هو دخول مواطنين من جنسيات غير فلسطينية على خط مواجهة الاحتلال الصهيوني، وهما كامل حسن الذي يحمل الجنسية السودانية، وهو مُنَفِّذ هجوم المجدل وطعن فيه جنديًّا (إسرائيليًّا)، وسعيد العمر الذي يحمل الجنسية الأردنية.
والتحول الآخر هو الإبداع في توظيف أشكال المقاومة المختلفة، ومنها المسلحة، فشهد عام 2016 عملية بالغة الأهمية من الناحية الاستراتيجية، وهي عملية إطلاق نار نفَّذها الشهيد نشأت ملحم بشارع (ديزنغوف) القريب من (وزارة) الحرب الصهيونية في 1/1/2016.
إن الدلالات الزمانية والمكانية لتنفيذ العملية مرتبطة أولاً بإجراءات الاحتلال في المدينة المقدسة، ولعل آخرها عقد (الحكومة) اليمينية المتطرفة اجتماعًا لها تحت المسجد الأقصى، إضافة إلى إجراءات التهويد المستمرة بحق القدس والمسجد الأقصى، وثانيًا مرتبطة بملامح سياسة الرئيس الأميركي ترامب الخارجية تجاه القضية الفلسطينية، والتي كشف عنها خلال تصريحاته أمام (إيباك)، وأكد فيها مسألتين، هما:
1. نقل السفارة الأميركية إلى القدس التي يعدها العاصمة الموحدة لـ(الدولة) اليهودية، وهو ما أكده لاحقًا نائبه المدعو مايك بينس في رسالته إلى الكيان العبري، وما أكدته أيضًا المدعوة كيليان كونواي مستشارة الرئيس الأميركي، من أن نقل السفارة الأميركية لدى الكيان من تل أبيب إلى القدس سيكون على رأس سلم أولويات ترامب، وقالت كونواي التي ترأست الحملة الانتخابية لترامب عقب فوزه في الانتخابات الأميركية الأخيرة: “المسألة ذات أولوية مرتفعة لدى الرئيس المنتخب، وقد أكد ذلك في أكثر من مناسبة خلال حملته الانتخابية، وكرئيس منتخب سمعته يكرر ذلك أكثر من مرة”.
2. الحرب على الإرهاب، وحدد رؤيته للإرهاب الفلسطيني بأنه “يتمثل في كل شيء معادٍ لـ(إسرائيل) بدءًا من المناهج الدراسية، وصولاً إلى مكافأة الإرهابيين وتعزيز مواقعهم في الساحة الفلسطينية، وليس انتهاءً بالخطاب التحريضي الذي يتبناه البعض ويعادي (إسرائيل) ويحرِّض على قتل مواطنيها”.
إن أولويات ترامب تعكس توجهاته العنصرية تجاه القضية الفلسطينية، ودعمه غير المحدود والصريح للكيان العبري، وفي سياق المؤشرات السابقة إن أهم السيناريوهات المحتملة خلال مدة حكم دونالد ترامب هو تراجع العملية السياسية لمصلحة زيادة فاعلية انتفاضة القدس، ومن هنا تأتي تلك العملية الفدائية، وربما تزداد وتيرة العمليات في قادم الأيام.
لم تكن إدانة عباس مفاجئة للشعب الفلسطيني؛ فهو يدين أغلب العمليات العسكرية ضد الاحتلال، ولكن مع ذلك لايوافق الرأي العام الفلسطيني والعربي على إدانة عملية كهذه، وينطلق الرافضون لإدانة عمليات الشعب الفلسطيني من طرح تساؤل: ما معيار إدانة العمليات الفدائية؟
الموقف الرسمي ينبغي أن يكون مستندًا إلى القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، ولَما كانت العملية الأخيرة وفق المنطق السابق وقعت في حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967 فما المبرر لإدانتها؟ سؤال برسم الإجابة.

* كاتب صحفي فلسطيني

أترك تعليقاً *

CAPTCHA Image

Reload Image
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com